المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي الشظبي Headshot

من الكرامة إلى الانكسار

تم النشر: تم التحديث:

كانت جمعةً ثوريةً. بل هي دموية، خاطت هلاك طاغيةٍ وفجرت بركان غضبٍ زعزع جبروت الفرعون. كنت يومها أمشي على سيل من دماء الذين سقطوا وأصرخ، يا علي اهتز عرشك، يا علي اهتز عرشك. نوبةً من الهيستيريا أصابتني بل أصابت الجميع. أصحيحً ما نراه أم هي أضغاث أحلام!

نعم، اهتز عرشك يا علي، بل أحرقك وحولك إلى قبح.
هذه هي السنة الثالثة التي أمضيها في الولايات المتحدة بعيداً عن بلدي.
آخر ما تركته كانت قبلةً رسمتها على جبين مرام ونظرةً حزينةً من عينيها.
سنتان، هما فقط يا مرام وسأعود، كي نبني وطناً ونشيد قصراً، بل نزرع أزهاراً ووروداً. غادرت مصحوباً بألم فراقها. لم تغب عني برهةً ولا ثانية.

مرت الأيام وظننت أن جمعة الكرامة قد طوت صفحةً من ثلاثين عام كيف لا، وقد امتلأت الشوارع والساحات بدماء شبابنا؟
كنا بانتظار ضيفٍ جميلٍ قرر أن يكون أحد أجزاء قصتنا. أتت الجميلة ميار وأصبغت عليَّ فرحاً وحزناً متلازمين. ستأتي ولن تقول بابا.

كنت ولا زلت أعد الثواني والدقائق لملاقاتها وإنجاز ما اتفقنا عليه.

حتى وإن كنت بعيداً، فمشروع الوطن قائم بيننا. أرسلت لها الآيباد وكراسة الرسم والألوان وبعض الألعاب. كانت هي أيضاً وفية تعلمت الأرقام، حفظت بعض قصار السور من القرآن، لوّنت دفتر الرسم الذي أرسلته، بدأت تكتب وتصل الحروف والكلمات بل تجاوزتها وقالت I LOVE YOU.

ألم الفراق يكاد يقتلني يوماً بعد آخر، لعن الله الفراق!

خرجتِ الخفافيش من كهفها وحجبت نور الشمس. تمادت، فنفخت في كيرها، وأحرقت ما أمامها.

أصبح حلم الوطن والقصر والورود رماداً بلا دخان.

لم تعد تسمع مرام غير الرصاص وأزيز الطائرات، ولم أعد أحلم بقصرٍ ولا ورود.

قالت لي ذات يوم:
أبتي،
في يوم السبت
قرأت لي أمي ايات التحصين
قالت، ستحصنني من شر الأشرار
وأنام وأصحو بسعادة
لكن يا أبتي لم تنفع!
أشباحُ زارت منزلنا
تهتف بالموت وصناعه
طائرة أخرى كم تدوي في الجو
وكم تأتي غارة
ضمتني أمي واستني
لا تخشي من هذه الآلة
الصبح قريب يا روحي
والشمس ستشرق كالعادة
أبتي،
فسر لي ما يجري
هل حقاً أتت الساعة؟

حارني السؤال وحارني الجواب أكثر. بلقيس تغتصب، والسعيدة تقطع أوصالها. لم تعد تثمر الأرض عنباً مختلفاً ألوانه ولا قهوةً تسكر الألباب. في بلدي، أصبح كل شيء صعب المنال عدا البارود، فما أرخصه وما أوفر بائعيه. أسأل باستمرار عن أصدقائي، التحق بعضهم مع الميليشات مقابل بندقيةٍ وبعض هللاتٍ يطعم بها من يعيل. حتى ابن قريتي محمد، ذلك الفتى النبيل. ظلمته الدنيا وظلمه الجميع. كان مميزاً بضحكته وطريقة كلامه. سرقته المليشيات من ابنته ولم يعد إليها إلا جثةً هامدة.

الطائفة، كانت فعلاً معدوماً في أرضنا حتى غزاها الطاعون. بات الناس يتمايزون بالأسماء والألقاب، وأصبحت الوطنية والخيانة تحية الصباح والمساء. طاولات المفاوضات، عبارة عن رحلة استجمامٍ يستريح فيها القتلة من إعياء الدماء التي سفكوها.

ما أن ينفضّ حوار حتى يدعو مبعوث الأمم إلى حوار آخر. سئمت الطائرات منهم وما سئموا منها، ما أرخصهم!

بلدي تتصدر نشرات الأخبار وصفحات الجرائد، تحصي عدد القتلى والجرحى، وتقدم جبهةٍ وتقهقر أخرى.

أغاني الحب والوطن تحولت إلى قصائدٍ تشيد بالموت تحت ظل الرصاص وتبشر بالحوريات بعده. القائد، هو الوطن، والوطن عبدٌ ذليلٌ بيدِ القائد. كيف لفردٍ أن يملك رقاب أمه وكيف لجماعةٍ أن تبيع وطن؟

ملوك الحرب لا يموتون. فقط يمرون على أجساد ضحاياهم وينثرون عليها مفاتيح الجنة ولا ينسون أخذ صورٍ للذكرى.

في وطني، حمل الصغار البنادق واشتغل الكبار مومسات تبيع الأرواح، وترسل الأجساد إلى الجحيم!

في وطني، توسل طفل كي لا يقبروه فلم تشفع لهم دموعه.

في وطني، بقية حكايةٍ ينسج الحزن تفاصيلها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.