المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي الشظبي Headshot

العراق تحت عبث الميليشا

تم النشر: تم التحديث:

في أبريل/نيسان من العام الماضي حضرت مأدبة عشاء مع عميد مدينة نيويورك السابق رودي جولياني، وقد انتقد فيها بعض سياسات الحكومة الأميركية، ومن ضمنها ترك الحبل على الغارب لحكومة المالكي، الذي انتهى به الأمر إلى إقصاء العرب السُّنَّة من كثير من حقوقهم السياسية، بل تجاوز الأمر إلى ممارسات عنصرية وتهميش ممنهج للسيطرة على زمام الأمور.

لم تكن النتيجة مبشَّرة لا للعراق ولا للمجتمع الدولي ككل، فهو يرى أن نتيجة الإقصاء كانت إيواء "القاعدة" أو على الأقل التغاضي عنها كنتيجة طبيعية للممارسات العنصرية التي قامت الحكومة العراقية والميليشيا الشيعية بحقهم.

مأساة العراق تكمن في الانتقال من حكم ديكتاتوري قومي إلى حكم ديكتاتوري طائفي، لا يرى إلا لوناً واحداً، ولا يتكلم إلا لغة واحدة. الدولة تحت الحكومة المؤدلجة عبارة عن إقطاعية لكهنة الدين وزعماء المذهب، بغض النظر عن الأيديولوجيا التي تؤمن بها.

في حالة العراق يتمثل شخص السيستاني كفقيه ليس دينياً يعلم الناس شؤون دينهم ويفتي في الحلال والحرام، ولكن شخصية تنظر في السياسة وتجمع الحشود للقتال.

بعد الغزو الأنجلو أميركي للعراق عاد الساسة الجدد من منافيهم لاحتلال المشهد السياسي بعد سقوط نظام البعث. عبدالعزيز الحكيم والمالكي والعبادي وغيرهم كانت الوجوه التي رسا عليه المزاد وتوافقت عليها أميركا وإيران، كان انتماء هذه الشخصيات للمذهب والطائفة مقدماً على الانتماء الوطني للبلد الأم، وأنّى لفردٍ أن يكون مخلصاً وقد أطلق رصاصة الخيانة على أبناء وطنه في يوم ما، كحالة المالكي والحكيم خلال الحرب العراقية - الإيرانية.

بدأت نكهة الطائفية تفوح بمجرد سيطرة هذه الثلة على زمام الأمور في العراق، فمن تسريح لكل من هو بعثي إلى إقصاء التيار السني إلى تشكيل ميليشيات تقتل الناس على هوياتهم وأسمائهم، لم يتعامل هؤلاء مع العراق كساسةٍ وجب عليهم قيادته بل كذئبٍ وقع على فريسة سهلة، فالفساد في عهد المالكي لم يصاحبه فساد ربما في تاريخ البلاد حتى أصبحت بغداد عاصمة الفساد، كما وصفها باتريك كوكبرن مراسل "الإندبندنت" البريطانية في مقال كتب في مارس/آذار 2013.

الجيش الذي أنفقت من أجله الولايات المتحدة المليارات ترك مواقعه لميليشيا "داعش" مع بدء مطالبة الشعب العراقي للمالكي بمغادرة كرسي الوزارة بدون أي مقاومة تذكر في واقعة أقل ما يقال عنها إنها هزلية.

أفتى بعدها السيستاني لأبناء الطائفة بالقتال وتم تشكيل الحشد الشعبي بالرغم من أن حماية الوطن أمر يتحمله جيش الوطن الذي يُنفق عليه من أموال الشعب وليس أبناء الطوائف والمذاهب وأتباع الملالي.

تجرع سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة "داعش" إلى حكم كهنوتي وممارسات مجحفة وملاحقة للأفراد وجهاز حسبة يراقب حركة الناس ذهاباً وعودة، وفوق هذا ضربات التحالف التي لا تفرق بين مدني وعسكري.

أخيراً بدأت الحملة لتحرير الفلوجة، وكان على رأس محرريها الحشد الشعبي الذي صدح للثأر من أبناء أبي بكر وعمر بدلاً من ترديد النشيد الوطني، رفعت رايات الطائفة وصور زعماء المذهب بدلاً من علم العراق، حتى قادة الجيش ومستشاروه تقدمهم قائد فيلق القدس قاسم سليماني.

ما يحدث في الفلوجة ليس تحريراً بل هو حرب طائفية يبرهن عليها الواقع الذي نشاهده أمامنا كل يوم، ما يحدث في العراق هو مأساة تحل بالأرض والإنسان فبعد أن يمل الناس من الاقتتال سيأتي الحل الغربي كمنحةٍ إلهية ويتم التقسيم ليرضى الجميع، وهكذا نعود إلى "سايكس - بيكو" جديدة بدأت من السودان وترسم في اليمن والعراق وليبيا والدور قادم على الثور الأسود.

إن الميليشيا باختصار لا تقود دولة، بل تجعل من الدولة "زريبة" لفساد أتباعها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.