المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي الشظبي Headshot

أمام حضرة الطاغية

تم النشر: تم التحديث:

في بلاد العرب يترنح كهلاً لا يقوى على الحراك ، يلوح بكلتا يديه من على كرسيٍ متحرك لأبناء شعبه الطيبين بمناسبة إعادة إنتخابه رئيساً عليهم. في بلاد العرب يحكم الأموات وهم أحياء ويورث الصبيان الملك وما زالوا جنائن في بطون أمهاتهم. لا يولد الإنسان ملاكاً، ولا يولد كذلك مجرماً أو طاغية. هنالك دروب يسلكها الطغاة أو بالأحرى يجبروا على سلكها. أباطرة اليابان عظم شأنهم، ورفعت مكانتهم فوق مستوى البشر حتى أصبح الأمبرواطور هو الرب. رباه، كيف لإنسانٍ أن يقتل مئات الآلاف من البشر ويشرد الملايين، كيف له أن ينظر إلى دموع الصغار التي تنهد لها الجبال وتبكي من أجلها الصخور العاتية.هل الطاغية كائن لا يشبهنا، لا يشعر مثلنا؟ أبداً، الطاغية ليس كائناً من كوكبٍ آخر، هو إنسان، تجتمع فيه كل صفات الإنسان البيولوجية. هو فرد يأكل وينام ،يضحك ويتألم، مثلنا تماماً. إذاً لماذا ابتلينا نحن العرب بهذه المصيبة؟ لماذا نحن دون سوانا؟ كم نسأل أنفسنا هذا السؤال.

أتدرون، طغاتنا هم نحن. هم إنعكاسانا، ببساطة، هم طبخة أيدينا. الطاغية هو ذلك الكبير الذي يقول لنا إخرص، لا تتكلم في حضرة الكبار. هو معلمنا في المدرسة الذي قدسنا كلامه وعندما يسألنا أحدهم نقول له هكذا قال لنا المعلم . هو شيخ الدين الذي فوض نفسه وكيلا لرب العالمين وأهدى صكائك الغفران للقتلة ومصاصي الدماء. هو أستاذ الجامعة الذي يجب عليك أن تسمع وتؤمن بما يقوله هو دون أن تعارض.

في بلاد العرب لا يشترط على الطاغية أن يكون ذكياً أو قوياً. قد لا يستطيع القراءة، وأحياناً قد يقف أمام المايكروفونات كالأبله. هو ذلك المسؤول الذي أصبغنا عليه صفات الفوقية كباشا وبيه وحضرة ومعالي . بلاد العرب تحترف صناعة الطغاة. لنا فنون في تشكيلهم وتكوينهم. نبتهر بهم إذا ظهروا في الشاشات و نمجدهم إذا مروا في الشوارع. ونرتل أحلى القصائد في تعظيمهم وسمو مكانتهم. كم نسمع ونشاهد كمية السخافات والنفاق والتملق من من يسمون شعراء وفنانون ومداحون. ما إن يعطس الملك أو الرئيس حتى يعزفوا له أغنيةً بهذه المناسبة.

في بلاد العرب، يمنح الحاكم أربعين عقداً من الحكم والثروة له وأفراد عائلته وحاشيته ثم يصرخ بوجه شعبه قائلاً من أنتم أيها الجرذان. واخر نهب كل شيء من أبناء بلده وتركهم كومةً من الجهل والمرض ثم قال لزبانيته دمروا كل شيء جميلٍ وهو لم يصنع جميلاً قط.
الملك العربي يأمر بفتات فتات ما يأكل لأبناء شعبه فيعجزوا عن شكره وكأنه منحهم من فضل ما يملك لا باعتباره واجباً ما وضع في هذا المنصب إلا للقيام به.

هل رأيتم في بلادٍ غير بلاد العرب غلام يمد يده اليمنى فينحني له كبار الدولة مقبلين وخاضعين. ماذا نتوقع إستجابة هذا الملك الصغيرالذي نشأ على شفاه مقبله وجباهٍ خاضعة عندما يقول له أبناء شعبه إرحل لقد مللناك؟

إذا لماذا هذه الغرابة من ردة فعل رئيسنا عندما طلبنا منه الرحيل وقد تعود أن نقول له
نحن لا شيء بدونك. أنت الزعيم والهمام، أنت المنقذ والمخلص ،أنت شمسنا وهوائنا، سنفديك بدمائنا وأرواحنا. أنت صانع المنجزات والمعجزات. ما لنا سواك، وما للسفينة ربان دونك.

كيف للطاغية أن يكون له عين ترى أو أذن تسمع أو قلب يعطف بعد أن قال له شعبه طاعتك من طاعة الله وفقيهه قال له أنزل عليهم عذابك فطوبى لمن قتلهم وقتلوه.

سادتي، التمجيد والتقديس يصنع من الكائن الحقير آلهة صغرى. لهذا لا تتعجبوا إن رأيتم الطغيان من من يحمل أعلى درجات العلم، فالتكوين النفسي له يعجز عن التعامل والتأقلم مع المبادئ والقيم.
الطاغية ماهو إلا هيكل نحن صنعناه.