المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي أبو رزق Headshot

نم قرير العين يا كنفاني

تم النشر: تم التحديث:

قلَّما نقرأ رواية ونحتفظ بكلمات منها ونعيدها مرة تلو أخرى بل وتبقى محفورة في ذاكرتنا إلى الأبد، روايات الأدب الكلاسيكي تعيش معنا أياماً ومن الممكن أن يبقى صداها في مخيلاتنا لأسابيع لأنها قد تحوي أحداثاً تشابه ظروفاً ووقائع عايشناها ومررنا بها، لكن روايات الأدب المقاوم تعيش معنا عمراً بأكمله فبقاؤها حاضرة في دواخلنا يكون مرتهناً ببقاء السبب الذي كتبت من أجله وطالما أن الاحتلال الذي قاومته وفضحته هذه الرواية منذ صدورها جاثمٌ على أرض ليس أرضه يبقى المظلوم يردد عباراتها الصادقة إلى أن يأتي زمن الخلاص والحرية، فكان الفلسطيني وما زال وسيبقى يردد المقولة الخالدة للأديب المقاوم الكبير غسان كنفاني "لماذا لم يدقوا جدار الخزان."
رواية "رجال في الشمس" التي جاء إصدارها الأول في عام 1963 والتي اختتمت بخاتمة مأساوية أصابت كل من قرأها بالإحباط على حال وصل إليه الفلسطينيون في زمن الستينيات بعد عقدين من الهزيمة العربية الكبرى واحتلال أرض فلسطين والذي شكَّل نكبة حقيقية يعيش آلامها الفلسطيني في الشتات قبل فلسطينيي الداخل إلى يومنا هذا.
كنفاني كان ناقداً لواقع مرير عايشه بنفسه وسطره في روايته فهو انتقد حياة اللجوء والمخيمات والفقر، وجه نقداً شديداً للفلسطيني العادي الذي كان يريد أن يعيش حياة مستورة، للفلسطيني الذي كان أقصى ما يحلم به هو فرصة عمل مغمسة بكسرة خبز من نفط بدل زيت زيتونه النقي، في وقت شهد توجهاً ونزعة عند النخب الفلسطينية للهجرة للعمل في دول الخليج وما صاحبها من مرارة ومعاناة في التهريب على الحدود والمعابر العربية.
المرة الأولى لقراءتي تلك الرواية شعرت بحزن وانكسار شديدين وسألت نفسي هل حقاً وصل الفلسطيني ذاك الوقت إلى درجة من الذل والهوان جعلته يخشى أن يدق جداراً يقول فيه "أنا" أم أن الخوف من خسارة كل شيء جعلته ينسى أن فلسفة الفلسطيني الحقة هي إن عشت فإما أن تعيش حرّاً أبياً أو تموت واقفاً كشجرة الصفصاف المغروسة في معظم شوارع فلسطين.
بعد عقود من الرواية وخصوصاً بعد الانتفاضتين الأولى والثانية وما نشاهده هذه الأيام من تضحيات جسيمة لأبناء الشعب الفلسطيني نجد أن واقع الرجل والشاب الفلسطيني العادي الذي انتقده كنفاني في الستينيات والذي عملت الكثير من القوى على إعادة صياغته لتكون فلسفته الأولى هي الخنوع والمادية بدل فلسفة المقاومة والتضحية والفداء لنيل حريته واسترداد كرامته قد فشلت وأثبت الفلسطيني أنه إلى الحرية والكرامة أقرب من أي وقت مضى.
ما يحدث في فلسطين اليوم وخصوصاً في مدينة القدس يثبت أن هذا الفلسطيني هو الفلسطيني الجديد الذي لا يكفيه أن يدق جدار الخزان فحسب بل ينتفض في وجه كل من تسول له نفسه أن يضعه فيه فهذا مكان لا يليق به ولا بتاريخه ولا بحاضره ولا بمستقبله.
ما جاءت به انتفاضة القدس منذ طليعة هذا الشهر هي نماذج مشرفة لكل الإنسانية فالشاب الفلسطيني هو شاب كغيره من كل شباب العالم يحب أن يعيش حياته ويؤسس بيتاً ويسافر ولكن شباب القدس بتضحياتهم هذه يثبتون أنهم يحبون أرضهم ووطنهم أكثر من أي شيء آخر، لأن الشاب الفلسطيني يعلم أنه بهذه التضحيات يدافع عن كل مظلوم في هذا العالم فهو مع قلة قليلة من هذا العالم من يحارب قوى الغطرسة والإمبريالية منذ الأربعينيات.
نم قرير العين يا كنفاني فكل محاولات استنساخ الفلسطيني الذي يكون على مقاس محتلِّه والذي لا يفكر في وطن أو عودة قد باءت بالفشل وبات مشروع إلهاء الفلسطيني عن أرضه وقضيته أبعد من أي وقت مضى وهذا الفلسطيني الذي ينتمي لهذا الجيل لن يقرأ رواية "رجال في الشمس" بعد اليوم ولكن سيضع كل همه في أن يكون هو الجيل الذي يحول روايتك الخالدة "عائد إلى حيفا" إلى واقع ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.