المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود دللي Headshot

شارع المتنبي ... منطقتنا الخضراء !!

تم النشر: تم التحديث:

تعقدت الحياة وكثرت التزاماتها، حتى أصبحت أعباؤها في أيامنا هذه، تثقل كاهل المثقف العراقي، فضلاً عن القلق الذي يساور الفرد كل يوم عن القادم المبهم والمستقبل المجهول! في عصر سريع التغير، مليء بالمفاجآت، وفي بيئة مضطربة، وصراعات وأزمات سياسية وأمنية عنيفة.. باتت ترهقنا، وتؤلمنا يوميًّا.

حكاية العراقيين مع بلدهم الصابر، وحكاياتهم اليومية مع الوضع الإنساني والأمني والسياسي والاجتماعي.. حكاية مؤلمة حقًّا، حتى باتت وجوه العراقيين تتسم بالألم والحسرة، والخوف والإحباط! فصاروا أكثر شعوب الأرض استهلاكاً للأدوية المهدئة للأعصاب والصداع، والخافضة لضغط الدم المرتفع، والمسكنة للآلام! وأيضاً أكثرهم استهلاكاً للثقافة والكتب والفن والإبداع، المنبعث من ذات الآلام اليومية التي يعيشونها وتعيش معهم!

فمع هذه الإحباطات الشديدة التي يعانيها كل فرد منا، هناك ما يدفعنا للحنين إلى ذلك "الملاذ الآمن" إلى أشهر وأعرق سوق للكتب القديمة في العراق، والذي يشكل أحد معالم الذاكرة الثقافية فيه.. إنه "شارع المتنبي" اسم يتردد على ألسنة كل الكُتَّاب والمثقفين العراقيين، ومعظم الكُتّاب والمثقفين العرب، وبعض المثقفين الأجانب، ولا يوجد في العراق مثقف إلا وقد زاره مرةً، على الأقل، في حياته.

هذا الشارع العريق الذي شكل ولسنواتٍ طويلةٍ منزلةً خاصَّةً لدى المثقف العراقي والعربي، فكانت كتبه المصدرَ الأوّلَ لمعظم الكُتّاب والمفكرين الكبار -المتواجدين على الساحة الثقافية الآن، والكثير ممن رحلوا وخلدتهم الذاكرة العراقية- لأنه بمثابة المعرض الدائم للكتاب وتاريخ الكُتّاب في قلب بغداد، ولأنه العقل الثقافي لأهالي العاصمة ومثقفيهم وللعراقيين جميعاً.. كل هذا، لأنهم أقتنعوا، ومنذ أن علّموا العالم الكتابة، وأسسوا لأقدم حضارة عمرها ثمانية آلاف عام، أن الحرف، والكتابة، والكتاب، هو "الخلية الأولى" في جسد المجتمع المثقف والمتمدن، وهو النقطة التي يبدأ وينطلق منها التطور والوعي والفكر والثقافة.

"شارع المتنبي" الذي يمتص كل ما بنا وفينا من خوف وقلق وتعب وتوتر، ينعشنا ويمدنا ويحفزنا ويعطينا كل ما نفتقده -في عالمنا الخارجي "اللامتنبي"- فيمنحنا الألفة والحب والاستقرار النفسي والانتماء للوطن وللتراث وللثقافة، حيث النسيج الجميل من العلاقات التي يتمم بعضها بعضاً، هذه العلاقات التبادلية الممتعة التي تخلق إحساساً بالقوة والانتماء للبلد وروحه ولحضارته العريقة.. في هذا الشارع ومرافئه ومراكزه الثقافية لن يطلبوا منك إبراز هويتك ليعرفوا من أنت! وإلى أي مكان تنتمي! وليس عليك إبراز وثيقة بطاقة السكن فيه! أو أن تطلب من أحد أصدقائك من الشعراء أو أحد معارفك من الفنانين والمثقفين المتواجدين داخله للمجيء إليك، واستقبالك، وكفالتك، قبل أن تدخل إلى حرمه وعالمه! فهو متاح للجميع.

يقع هذا الشارع على الضفة الشرقية لنهر دجلة في منطقة باب المعظم التي يخترقها شارع الرشيد الشهير وسط العاصمة بغداد، وتتوسطه بناية القشلة التاريخية ويقع على يمين الشارع سوق السراي، والمعروف بسوق الوراقين والذي يعمل به عدد من بائعي القرطاسية واللوازم المكتبية، وعلى يساره يقع مقهى الشابندر، المنتدى الأشهر في بغداد.. الكُتّاب والشعراء ورواد الفكر، والذي تأسس عام 1917 م، وتزينه صور بغداد منذ أيام العهد الملكي، وصور أشهر الشعراء والمثقفين والسياسيين في العراق، والزائر لهذا الشارع يجد أن أغلب المتواجدين هم من المفكرين، وأصحاب القلم والصحفيين والأكاديمين وأساتذة الجامعات والمواطنين، وغيرهم من الذين يودون قضاء أوقات في أقدم شوارع العاصمة من الناحية التاريخية والثقافية.

هو أقدم سوق للكتب في بغداد، ساهم في تشكيل وعي العراقيين وثقافتهم، على مدار سنوات طويلة، رغم ما طاله من دمار في فترة ما، حيث لم يترك الإرهاب في بلدي الجريح أي مكان إلا واعتدى عليه، وأضحى هذا المَعلم الثقافي في يوم ما مجرد ركام بعد أن التهمت نيران الشر الكُتب المُسالمة على أرصفتة، وتعرضه لاعتداء بسيارة ملغومة في الخامس من مارس/آذار عام 2007م، هدم هذا الانفجار الكثير من المكاتب والمطابع والمقاهي التي كان يرتادها المثقفون في هذا الشارع العريق ومن ضمنها «مقهى الشابندر» الذي ظل فاتحاً أبوابه 90 عاماً في ذات المكان.. واستشهد الكثير ومن ضمنهم أبناء صاحب المقهى الأربعة وأحد أحفاده في هذا الحادث الرهيب.. وبقيت حينها سحب دخان الحرائق ولأكثر من يومين بعد أن التهمت نيرانها المكتبات التاريخية لتغطي سماء بغداد بدخان الكتب والكلمات والمداد وتحولت إلى ركام وأنقاض..

وكعادة النهوض العراقي الأسطوري المعهود، ومن بين ركام ووجع وأنقاض الألم والدمار، أعيد افتتاح الشارع من جديد، رسميًّا، عام 2008م.. ورغم إعادة بناء ما دمره الهجوم الظالم على الإبداع والتاريخ والثقافة، فإن ذكريات ذلك اليوم لا تزال ماثلة في ذهن المثقف العراقي، من كُتّاب وشعراء ومثقفين وفنانين ومصورين ورسامين، قدموا صوراً ورسومًا تعبيرية وأعمالًا فنية ترمز إلى هذا الحادث المؤلم، وتؤبن الضحايا وبائعي الكتب الذين سقطوا فيه..

لم يكن يتوقع أحد أن الحقد الأسود سيطال شارع المتنبي! ولماذا قد يفكر أحد في مهاجمة شارع كهذا؟! ولماذا الاعتداء على الثقافة والفكر؟! فالكل كان لديه شعور حقيقي راسخ بالأمان في ذلك المكان، كونهم محاطين بالآداب والأدباء، والكتب والكتّاب، والمثقفين والفنانين، فرسان العلم والمحبة والسلام.. كان أمراً غير منطقي! لكنه كان واقعاً حقيقاً مؤلماً، حدث ذات يوم، وسجله التاريخ بألم شديد..

لقد تضامن كل المبدعين في العالم والعراق مع شارع المتنبي أمام العدوان على تراثه الثقافي بمقالاتهم وأشعارهم ولوحاتهم.. ولكن أعظم صورة أو لوحة رسمت هو "نهوض" هذا الشارع الكبير والمقهى الشهير الذي تم إعادة بنائه من جديد وبأبهى صورة لتعبر عن الأمل، وبناء الأمل المتجدد، في نفوس طلاب الثقافة والعلم والأدب والفن.

شكّل شارع المتنبي لسنوات طويلة محجّة للمثقفين والأدباء وطلبة العلم وعامة الشعب، شأنه شأن "سور الأزبكية" في القاهرة، و"نهج الدباغين" في تونس، و"حي أكدال" في المغرب، و"ليباسور دي ليفر" أو "عابرو الكتب" وهو لقب أصحاب صناديق الكتب القديمة وبائعي الكتب على ضفاف نهر السين في باريس.

يوم الجمعة، وهو يوم مهرجان الثقافة والفن في هذا الشارع، وبزار الكتاب، ومسرح الموسيقيين، والفنانين والرسامين، هو يوم "الفرح" لعرس ثقافي من كل أسبوع.. سواء في الشارع الرئيس أو في القشلة أو المركز الثقافي البغدادي أو في مقهى الشابندر.. تجد هناك حركة تفاعلية متداخلة لكل ألوان الثقافة والفنون.. وما أن تخرج من مكان ثقافي حتى تجد عشرات الأمكنة التي تدعوك لسد جوعك وعطشك من السعادة والفرح الفكري والثقافي والإنساني المطلق والمجرد من الأنانية والمناطقية والفكر الضيق، وحتى في المركز الثقافي البغدادي هناك لا تمل ولا تكل من التنقل بين قاعاته العامرة بالمثقفين وبالندوات والمحاضرات، هذه القاعات التي توجتها أسماء الخالدين من كبار الأدب والثقافة والفن، قاعة نازك الملائكة، علي الوردي، جواد سليم، مصطفى جواد، محمد غني حكمت.. وأسماء كبيرة أخرى، لا تنقطع فيها المحاضرات الأدبية والفكرية، والأصبوحات والمصابيح الشعرية، والفعاليات الغنائية لمطربي المقام العراقي الأصيل، ولموسيقيين بمختلف آلاتهم ومقطوعاتهم وفنهم، ومعارض للرسم والنحت بمختلف ألوانها ومدارسها، وعروض سينمائية هي نتاج لمخرجين شباب ورواد خصصت لهم قاعات عرض في هذا المركز الكبير.. والجديد في الأمر أيضاً، أن شارع المتنبي والمركز الثقافي البغدادي، أصبحا قبلة العديد من وسائل الإعلام التلفزيونية العراقية والعربية، ليصبح سوق المراسلين ورسائلهم الإعلامية أيضاً .. ما كان له الأثر الكبير في نقل ما يحدث في الشارع الثقافي العراقي، وإمكانية الحوار والتبادل والمشاركة، ليعطي لوسائل الإعلام معناها الحقيقي باعتبارها وجهاً من وجوه الحرية، وحقًّا من حقوق الأفراد والجماعات في المشاركة في العمليات الاتصالية أخذاً وعطاءً، وأن ديمقراطية الاتصال ليست مسألة فنية تترك في أيدي مدراء الإعلام، وإنما هي مسألة أشمل من ذلك تستلزم مشاركة كاملة من جانب السواد الأعظم من الناس.. فمن خلالهم جميعاً "سكان ورواد شارع المتنبي" يستطيع العالم معرفة كل ما يدور في بلد كان بالأمس، وما زال، مصدراً للثقافة والفكر والعلم..

نعم، إنه شارع المتنبي.. "جزيرة المُثقف العراقي المعزولة" عن العنف، و"ملاذه الآمن"، و"منطقته الخضراء".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.