المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود دللي Headshot

مجانية الدم العراقي واغتيال الموت

تم النشر: تم التحديث:

صار الموت عندنا في العراق، وبفضل وجهود من يشغلهم أمر البلاد والعباد، ولا ينامون من فرط التفكير بأمر الرعية! صارت "الحياة التي نموتها كل يوم!".. نعيش مع الموت كل لحظة.. تعايشنا معه.. نريده أوقاتاً.. نحتاجه أحياناً.. كونه أصبح ضرورة اليائسين.. مللنا منه وابتذلنا تكرار مشاهده المرعبة أوقاتاً أخرى! هو "عادتنا اليومية" هو "روتين حياة العراقيين" كالأكل والشرب.. كجريدة الصباح وفنجان القهوة.

نعم، أصبح روتيناً مملاًّ، فقد معناه، كما فقدت الحياة قيمتها ومعناها من قبل.. قلوبنا لم تعد تحزن.. عيوننا لم تعد تدمع أو جف دمعها! كيف لا؟ وعيوننا تشاهد أنهار الدم وجثث المساكين الممزقة وألعاب الأطفال المكسورة، والصرخات التي ترتفع كل صباح ومساء ونحن "المتفرجون" و"الضحايا" في آن واحد.. يملأنا الحزن والحيف والمهانة والعجز..

بات العراقي يجد في عبارات "الاستنكار والشجب" روتيناً مملًّا ومقززاً، وهو يرى الأجساد العراقية تتناثر أشلاؤها بشتى أسلحة القتل، من مفخخات ناسفة ولاصقة، وغيرها من أدوات وفنون الموت! وقوى الأمن والجيش والشرطة باتت لا تعرف بمن تمسك ومن تترك وتخلي حال سبيله!

في عراقنا، كلُّ الأشياء ارتفعت أسعارُها.. فقط "الدم العراقي" تراجعت قيمته مثلما تراجعت آدمية الإنسان فيه "حتى أصبحت مجانية" ليس في السوق المحلية فحسب، بل وكذلك في البزارات الدولية والإقليمية!

تحول دمنا من سلعة نفيسة جدًّا، إلى سلعة رخيصة جدًّا، من خلال تكرار مشاهد القتل، وسط صمت الجميع من الذين سكتوا وأسكتوا الآخرين! لتزداد المضاربات دون أدنى شعور بقيمة هذا الدم، وقداسته، ومكانته، غير آبهة للنزيف المتواصل من دماء الأبرياء في العراق من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه.

فعلى طاولة الخلافات يشكلُ الدم العراقي أوراق اللعبة.. وعددُ الضحايا في كل تفجير أرقام الربح فيها، ليبقى المواطن العراقي وحده الخاسر.. وإن الحرص على أسرار اللعبة وقوانينِها والحفاط َعلى استمراريةِ وتيرتها لغزاً لا يمكن للضحايا حله بسهولة، ما جعل الوعي العراقي مرتبكاً مشوشاً، والمواطن مشلول الذاكرة ممزق الإرادة، فكل مجزرة تلغي بشاعة سابقاتها، ثم يعادُ خلط الأوراق وتشويهُ الحقائق عبر بيانات رسمية ووعود بالتحقيق والكشف عن الجُناة! المواطن العراقي لا يعرف تعقيدات اللعبة، ولا يدرك أبعد من شكوكه، سوى أنه قتيل أو سوف يقتل، ومع بداية كل تفجير، يسدل الستار على المجزرة التي سبقته.. وأصبح وباءُ الموت الصامت والبطيء يعانيه العراقيون كوباء مستديم ومستوطن، وإن الضحية السمينة اليوم هو الشعب العراقي الذي يساق إلى المذبحةِ مع إطلالة كل يوم، ويباع ويشترى بدمائه، وغمامة الدم العراقي ترفض أن تنجلي!

سنوات عجاف مرت، وما زلنا بانتظار موقف وقرار سياسي، وإنساني، وعالمي قوي، ولكن لا نعلم متى سيكون هذا الموقف! وعلى المستوى المحلي الجميع أمام مسؤولية تاريخية، تدعوهم للتجرد عن الأنانية وضيق الأفق وعبثيةِ التغريد خارج الصف الواحد، وحماقةِ التمترس بعيداً عن الخيمة العراقية، والمضاربةِ في بورصة الدم العراقي.. العراقيون ومنذ سنوات وإلى اليوم وهم يستصرخون الضمائر ويسألون: ألا يكفي كل ما حدث ويحدث من نزف مستمر لدماء الشهداء؟

الدم العراقي كان عزيزاً وغالياً.. وكان هناك وما زال من يدافعُ عنه ويحميه ويطلب بوقف سفكه من قبل المتجاهلين لحكم الله تعالى، وغضب الشعب الذي يأن من ظلم القتلة وجرائمهم.. وهو يتساءل.. لماذا انتهك الموت عندنا؟ ولماذا استهزأوا به دون خجل؟.. انتقصوا منه ومن هيبته وقدسيته ولم يؤته منزلته، وانتقصوا من قدره دون أن يشعروا بالخجل!

حزني على الموت لم يتركوه بحاله وقدسيته وهيبته.. لم تعد له قدسيته الأزلية عندنا فقط.. لم تعد له ولنا حرمة.. لم يعد يخيفنا.. لم تعد الجريمة فعلاً قبيحاً، ولم يعد القتل أمراً مشيناً وفاجعاً..عودونا على أن يموت الموت عندنا! وأجبرونا على أن نتعود الموت، والعادة السلبية تجرد الإنسان "الحي" من كرامته، والعادة والروتين الممل يجردان كل شيء من قيمته.. لقد اغتالوا الموت بفضل تعودنا.. "الموت" هو أحد أمانينا الآن.. لكننا فقدناه أيضاً.. فقد أصبح الموت آخر ضحايانا! ولم يعد لنا شيء نتمناه!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.