المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود دللي Headshot

مسيحيو العراق بين الوطن والمواطنة

تم النشر: تم التحديث:

هناك قول للفيلسوف جان جاك رُوسّو "نحن لا نبدأ بالتحول إلى بشر إلا بعد أن نكون مواطنين".. هذا القول يضعنا في موقع ارتقاء فوق الذات، من خلال جهد إرادي، لنكون مواطنين، نتمتع بالحقوق، ونقوم بالواجبات التي تؤهلنا أن نبرهن لمن حولنا وللعالم أننا سكانُ البلادِ الأصليون، هذه العلاقة بين الواجبات والحقوق لا تأتي اعتباطاً، أو من الخارج إلى الداخل، بل تبدأ من إحساسنا بانتمائنا إلى المكان.. وهذه الأمور تنتظم وفق المعايير القانونيةِ التي ترتضيها كل دولة في العالم.. من هذه الفكرة تتساوى جميعُ الطبقات وتذوبُ جميع الأثنيات وتلغى الطوائفُ أمام واجب الوطن الذي تتفق نخبُه وشرائحُه المختلفة على وضع دستور يُقـَرُ من خلاله "مبدأ المواطنة" .

لقد عاش المسيحيون في العراق بأمن وسلام واحترام متبادل، بينهم وبين جميع مكونات العراق، واستمرت تلك الأُلفة والمحبة لمئات السنين، حتى جاء "البلاء الاعظم" عندما غزا الامريكيون العراق عام 2003، و بدأت حرب الإبادة ضدهم قتلا وخطفا لأبنائهم وبناتهم تهديدا وتهجيرا، فجرت الكنائسُ ودورُ العبادة المسيحية، واغتيل العديد من الرهبان ورجالِ الدين، وغادرت أسرهم إلى البلدان المجاورة وأوربا وأستراليا وكندا وبلدان بعيدة أخرى كباقي المهجرين المسلمين ومن باقي الطوائف الأخرى.. لأن الشعب كله كان الهدف!.

إن استهدافَ المسيحيين وإكراههم على الهجرة في بداية الاحتلال، شكل خسارة جسيمة للنسيج المجتمعي العراقي وللثقافة العراقية، حيث شارك المسيحيون بحيوية متميّزة في إثراء وإغناء الفكر والثقافة في العالم العربي في حقول العلم والأدب والفن وغيرها، وإن المسيحية قد نشأت في الشرق العربي، وحافظت على خصوصيتِها واختلافها مع المسيحية الغربية التي دخلتها عقائدُ وأفكارٌ مختلفة، وهذا ما يؤكده التاريخ عند قيام أصحاب المسيحية الغربية في الحروب الصليبية بقتل المسيحيين الشرقيين أيضا، لاختلاف المسيحيتين بين الغرب والشرق، وعرف المسيحيون الشرقيون بوقوفهم مع إخوانهم من العرب المسلمين قديما.. وهذا ما تجلى في مواقف مشرفةٍ في الفتوحات الإسلاميةِ للبلدان العربية،، وظل الحال كما هو عليه من المواقف المشرقة حتى طرد الاستعمار الحديث.

إن الموقف المشرف من قبل مسيحي العراق كان ولايزال بالتمسك بوطنهم ورفض الاحتلال، ما أدى إلى معاقبتهم تارةً لتخويفهم، وتارة بتهجريهم بغية تغيير مذهبهم الديني أو صناعةِ كانتون مسيحي داخل العراق الممزق.
إن بلاد الرافدين، لم تكن يوماً بلاداً طائفية أو مذهبية، ولم ير الغرب والشرق سابقا والعرب في العراق خطوطاً لتقسيمات اجتماعية مستندة على أساس طائفي أو مذهبي!!، ولم يكن المواطن العربي يشعر حين زيارته للعراق سوى أنه بين ربوع جزء عزيز من أمته، يشكل الانتماءُ للوطن والأمةِ هوية وحيدة لأبنائه كافة.. إن المساواة والحرية والهوية المتفاعلة مع العدل هي جوهرُ المواطنةِ العضوية وغير التمييزية!
هكذا يرى المسيحيون الوطن.. وتمسكوا بالمواطنة، التي تفرض على كل إنسان في هذا الوطن أن يعمل بكد وإخلاص وتفان.. ولا يعني هذا أنه بلدُه ووطنُه فقط، بل لأنها الأرضُ التي عاش عليها آباؤه وأجداده، هذه الأرض التي زرعها بحبه وحنانه وعطائه ودموعه ودمائه ... ألا تستحق هذه الأرض أن نحافظ عليها من تقسيمها إلى أوصال!!؟، وإدراك حقيقة أن الأرض لجميع ساكنيها... وأن الحصادَ لكل من زرع... وأن الله عز وجل يمدُ هؤلاءِ وهؤلاء من فضله الواسع.

لقد استهدف مسيحيو العراق كما استهدف المسلمون وغيرهم، وطعنت هذه الشريحة كما طعنت باقي الشرائح، لأن العدو واحد والمحتل أمامه أيضا هدف واحد.. هو تمزيق مجتمع متعايش بأمن وسلام.
أليس مسيحيو العراق شركاء أبناء العراق في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وسائر الحياة العامة؟ وكل واحد منهم مواطن أصيل في بلاده ، وإن استهدافهم سابقا هو استهداف لأمنا الأرض من أجل جعلهم يبتعدون عن جذورهم في هذه الأرض وفي هذا البلد.. وهنا يجب التأكيد على حقيقة أن مسيحيي العراق، والشرق عامة، هم جزء أصيل من حضارة وتاريخ هذه المنطقة، إنهم جزء لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي والثقافي.. وإن أي استهداف لمسيحيي الشرق هو محاولة لأخذهم بعيداً عن جذورهم ومحيطهم، لأن هذا الاستهداف يفتت النسيج الاجتماعي للبلد، ويفتح الطريق لمزيد من التدخلات الخارجية في شؤونه، ويعرضه لمزيد من الانكشاف الأمني والاستراتيجي.. ولكن هيهات أن يتم ذلك.. فنحن الآن نشهد صورة رائعة من صور التلاحم بين أبناء الشعب الواحد، فهاهم مسيحيو العراق يهبون لنصرة أهلهم في المحافظات المسلمة التي نزح سكانها بسبب الحرب الدائرة في مدنهم ..

حيث قامت "بطريركية الكلدان" بتقديم مواد ومساعدات غذائية وأغطية لـ 2000 عائلة نازحة من محافظتي الأنبار وتكريت، وتأتي هذه المبادرة الأخوية والوطنية، للتعبير عن تضامن المسيحيين مع إخوانهم المسلمين النازحين والتخفيف من مأساتهم، حيث قاموا بإيصال المساعدات إلى "جامع أم القرى" ببغداد حيث تقيم مئات العائلات النازحة هناك.. وقد صرح بطريرك المسيحيين الكلدان في العراق والعالم "لويس رفائيل الأول ساكو" بالقول: "إن الدين معاملة وأخلاق، والمسيح أوصانا بالإنسان المحتاج الذي نعتبره أخاً.. ولقد جئنا اليوم للتعبير عن الألم والحزن عمّا يحصل في بلدنا من قتل وتخريب وتهجير ونحن المسيحيين قد عانينا الكثير خصوصا في الموصل وبلدات سهل نينوى وجئنا لنقول لإخواننا النازحين إننا نحبهم ونتقاسم معهم الهم.. وما حملناه لهم تعبيراً عن تضامننا معهم ومحبتنا لهم و نتمنى أن تنتهي عاجلاً هذه المآسي ويعود الناس إلى بيوتهم ويعيشوا بسلام وأمان"...
نعم، هؤلاء هم أبناء العراق الأوفياء لوطنهم من مسلمين ومسيحيين وكل الطوائف الأخرى.. لذا يجب أن نقف بصدق لنبني العراق، وبصدق أن نحمي العراق، وبصدق أن نتعايش مع بعضنا البعض... ولكي ننقذ العراق الجريح لابد أن نراجع أنفسنا، وأن لا نجامل أحدا على حساب دمائنا..

نعم، لابد أن ننتبه وأن لا ننخرط في بحار الدماء من جديد، ولنفكر بجدية وإخلاص كيف نحصن أنفسنا، ونبني بلدنا، ونقضي على من يتربص الشر بالعراق .
اللهُم إنا نستودعك سنوات عجاف دموية مضت من عمرنا، نسألك أن تغفر ذنوبنا فيها، وأن ترحمنا وتعفو عنا وأن تُبارك لنا في أيامنا القادِمة وتصلح أنفسنا وتيسر أمر العراق والعراقيين، وأن تخرجنا من هذه الأزمة والمحنة بسلام، واكتب لنا في الأيام والسنوات القادمة فرحة.. تغير بها مجرى حياتنا للأبد واجعل الفرح من نصيب المظلومين والنازحين والمستضعفين في العراق... اللهم آمين .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.