المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمود دللي Headshot

برد الشتاء وأمطاره.. شبح جديد يواجه المواطن واللاجئ العراقي

تم النشر: تم التحديث:

يعيش اللاجئون العرب بصورة عامة في بلدانهم وحول العالم أسوأ ظروف إنسانية وسياسية وميدانية تمر بها المنطقة العربية، وسط بيئة عربية مزدحمة في المناكفات والصراعات، حيث زجّهم البعض في أتون الخلافات السياسية وأبعدوهم عن مربع الحياد، وحولوا حياتهم إلى بؤس وشقاء.

ويبدو أن البؤس والمعاناة كُتبا على الشعب العراقي سواءً بقي داخل العراق أو حاول الهرب منه، فإن لم يمت داخل بلده فقد يلحقه الموت في طريق هجرته، أو يعيش المعاناة وحياة البؤس في إحدى الدول التي هرب إليها أيضاً، فكلنا شاهد على قصص الموت للمهجرين والمهاجرين وهم في طريقهم إلى أوروبا، بداية من أمواج البحر التي ابتلعت الكثير منهم، وحتى ما وجدوه في المخيمات من نقص في الغذاء والخدمات الطبية.

والآن يشهد اللاجئون "شبح الموت" في وجه جديد، حيث إنه يطاردهم الآن بهيئة الشتاء! الذي بدأ موسمه بأمطار غزيرة سرعان ما انقلبت إلى هموم! نعم.. إنها هموم، ومعاناة، وآمال على لائحة الانتظار لهذا الشعب الذي لا يستحق ما يعانيه من مأساة، فلا نغالي إذا قلنا إن مستوى التوتر والقلق الذي يصاحب المواطن العراقي الآن وليس فقط اللاجئ آخذ في الازدياد خصوصاً هذه الأيام، ولعل الأوضاعَ الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمناخية المتدهورة فيه تقف في مقدمة الأسباب لنواحي هذا القلق.

الأسرة العراقية تأثرت على جميع المستويات بعد الاحتلال، وكل هذه المتغيرات قد أثرت على سلوك الأفراد وعلى حياة الأسرة بكاملها، فضلاً عن بروز وهيمنة الجوانب السلبية في زوايا المشهد الاجتماعي، وفي مقدمتها جرائم الفاسدين من أكلة السحت والمال الحرام، الذين لا يعيرون بالاً إن وقع على رقبتهم ذنب الأبرياء، سلسلة متصلة غير منقطعة من العبث والاستهتار بأرواح الشعوب.

فالموت البارد للاجئين "داخل بلدهم" ليس جريمة فقط بل فضيحة، وأبشع هذه الجرائم عندما يلاحق الموت القسري البارد الأطفال! وهم في لحظات اللهو والفرح والمرح تحت المطر وفي أول هطوله قبل أن يتحول إلى فيضان، وهم يهتفون تحت زخاته بكل براءة : مطر.. مطر.. مطر.. ولا يعلمون أنه الموت.

فضيحة تركهم يعانون ويغرقون في المياه ويغوصون في الأوحال تكشف استهتاراً غير محدود للمسؤولين من حكومة ووزراء وحتى منظمات إنسانية ودولية.. تخيل نفسك أيها المسؤول مكان هذا الطفل أنت وأطفالك، والمطر يخترق سقف خيمتك وتتسرب قطراته إلى الداخل وتوقظك في منتصف الليل وسيول وأمواج تجتاح فراشك، والكل يرتجف من البلل وبعدها يصبح البرد شديداً مميتاً!

وهل إعطاء اللاجئ خيمة باردة هو أمرٌ كافٍ؟! حتى الحيوانات الأليفة والداجنة عند احتوائها واحتجازها وتربيتها توضع في مكان توفر فيه وسائل التدفئة، وتوضع في بيئة صالحة كي تبقى على قيد الحياة.

ومما آلمني وأوجع قلبي صور الأطفال اللاجئين الذين تكسو أجسادهم الغضة طبقات الوحل البارد بسبب تنقلهم بين الخيام باحثين عن مكان يلهون به ويلعبون! فالوحل في بلدي أصبح على نوعين: وحل طيني يسببه هطول الأمطار على الأرض الذي يغطي جسد هذا الطفل البريء، والثاني "وحل الفساد" الذي يغطي وجوه الفاسدين القتلة.

فيا طفلنا العراقي اصبر وتحمّل، فالأوحال التي تغطي جسدك الغض هي أشرف وأقدس من أدران السحت التي تغطي وجوه الفاسدين.

إن غرق شوارع العاصمة بغداد وبيوت المواطنين وخيام اللاجئين بسبب الإهمال "جريمة وفضيحة" تضاف إلى سلسلة جرائم متواصلة ترتكب بعبث واستهتار من قبل ولاة الأمور بحق الأبرياء والطبقات المسحوقة واللاجئين أيضاً، وبكل تأكيد ستطوى ملفاتهم على حين غفلة كما اختفت سابقاتها من ملفات الألم والظلم، دون أن يتحمل المتورطون مسؤوليات إهمالهم وعبثهم بأرواح الناس.

فها هو العراق يغرق من جديد بمياه فسادكم وقبلها بتفجيرات خلافاتكم، يذهب ضحيتها آلاف الشهداء، فعراقنا يحتضر اليوم ويسقط صريعاً لمصالح شخصية وصراعات فئوية وانتكاسات اقتصادية حالية ومنتظرة!

فمن يتحمل مسؤولية التعاسة والظلم والشقاء التي يعيشها المواطن؟ وما ذنب الأبرياء يسقطون يوماً بعد آخر بسبب عدم الاكتراث لحالهم؟! هل ذنبهم هو تصديقهم بالوعود التي ناشدتهم بانتخاب هؤلاء الذين انشغلوا بتحالفاتهم السياسية وتركوا العراق بين أمواج الماء الموحل الآسن والدماء.

إننا الآن نستصرخ العالم والإنسانية، ونحمل مسؤولية ما يحدث في المخيمات ومأساة شوارع ومنازل المواطنين الغارقة بمياه الأمطار الجهات الرسمية المتحاربة التي زجت بالعراقيين عنوة في أتون الحرب، رافضين تحييد الأبرياء والمساكين والمخيمات التعيسة عما يجري من صراع على الحكم والمال والمصالح الشخصية..

هذه الجريمة وغيرها تستلزم أن نسمع وقعاً أضخم وأقوى في التعامل معها، لا قرارات بلا مسؤولية ولا كلام فارغ بلا عمل.. وأختتم كلامي بقوله صلى الله عليه وسلم: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.