المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

العصماء محمد هاني Headshot

عندما أحببت "فيروز"

تم النشر: تم التحديث:

ارتبطتُ بفيروز منذ الصغر، وأنا في العاشرة من عمري تحولتُ من الفتاة الصغيرة التي تنظر إلى عمرو دياب كونه" أروش" الشباب الذي يمكنك مقابلته على وجه الأرض، وأحببتُ فيروز بكل ذلك الجمال الكائن في صوتها المدلل.

كانت سن العاشرة هي العمر الذي بدأت فيه جسور الحوار بيني وبين والدي توجد وتبنى، أن تظل حتى سن السادسة ابناً لرجل مغترب في دول الخليج هو أمر ليس باليسير، فاليوم الأول لمبيتي في بيت واحد معه كان كابوساً.

بالنسبة لي لم يكن سوى رجل غريب يقتحم حياتنا، قد حرمني من جدتي وخالاتي وخيلاني وأخذني معه إلى بلاد بعيدة وصحراء مظلمة مملة، قد هيأ لي غرفة بسرير وألعاب ومكتب، فأجبته بمنتهى الإصرار والتحدي " أنا بنام جنب ماما"، فبدأ الأب الذي حُرم من عائلته لمدة ٦ سنوات أن يعي جيداً أنني أتعامل معه كعدو دخيل.

كيف وبسحر غير مفهوم جعلني ابنته المدللة المتعلقة به، التي لا تكف عن ذكر "بابا" في أي مكان وأي محفل وزمان، وفي أي موضوع يظل "بابا" هو بطلها الذي تثق في رؤيته ورأيه وتستشهد به بمنتهى القوة والثقة.

من "الحراج" وهو سوق مشهورة تختص ببيع الأشياء القديمة والمستعملة وجد فرشة شرائط كاسيت قديمة جداً لألبومات فيروز ومسرحياتها، أحضرها والدي كعاشق قديم لها، واستمعت معه إلى تلك الساحرة وإليه، وهو يحكي لي قصة كل أغنية وكل مسرحية، وكيف أُلفت وكيف لُحنت.
ارتبطت فيروز في ذاكرتي بعصرية يوم الجمعة، وقد تأهب أبي لصنع فنجان قهوة بالحليب، يرتب بعض الأشياء في غرفته، يصلح أشياء أخرى في البيت، يخرج ليحضر لنا غذاء جاهزاً، يحكي لي شيئاً من شبابه وأشياء أخرى من طموحاته.

تعلقتُ بـ"زيّون" بطلة "ميس الريم" لدرجة أنني سميت إحدى عرائسي بهذا الاسم، تعجبتُ من تلك الفتاة الفتيّة التي ترعى قصص الحب في "بيّاع الخواتم" دون أن تحب، دون أن يغرم أحدهم بها ويبتاع لها خاتماً!

تعجبتُ من عذابها المستمر وحبها الذي لا يكف في الصيف والشتاء، ومع ذلك يحمل صوتها كَمّاً فائضاً من السعادة ننال نحن شيئاً من فَيْئِه.

أحببتُ القدس وقت أن صدحت فيروز باسمها، وحلمتُ بالعودة وقت أن قالت بصوتها المملوء حنيناً "سنرجع يوماً إلى حينا".

قد تقبلت فكرة عبقرية محمد عبدالوهاب عندما سمعتها تحكي قصة العاشقين، وكيف "سكن الليل" بهما.

قررتُ أن أقرأ نبي جبران ويسوع الخاص به بعد أن غَنّت عن نايِهِ، وقالت: "أعطني الناي وغني".

كتبتُ قصصاً و"حواديت" من أغانيها الجميلة بخطي الطفولي البائس، وكنتُ أحمل أختي الرضيعة وأغني لها" يللا تنام ريما" فتنام.

كنتُ أحب الباليه وأحلم بأن أصير راقصة باليه شقراء وجميلة، فأرقص على أغانيها الهادئة المفعمة بالبيانو، أغلق الباب وأجعل أختي الصغيرة تحتفظ بالسر وهي تضحك بشدة من تلك الحركات المضحكة التي أؤديها، فكان ذلك سري الصغير الذي احتفظت به شقيقتي.. وصوت فيروز.

ربما أحببتُ فيروز من حكايات والدي عن عشقه لأمي، وكيف كانا يحضران كواليس حفلتها في الأهرامات أيام شبابهما، كيف كانت تستقل معه السيارة فيفاجئها بصوت مُحرّم فؤاد "ماشي كلامك على عيني وعلى راسي" فتسامحه من بعد خصام.

قد تذكرني فيروز بوالدي الشاب الذي لم أرَه، بقصائده التي لم أقرأها، ورواياته التي كتبها ودفنها، لأن عليه أن يكون بيطرياً مرموقاً لا صاحب قلم تافه!

كانت فيروز هي رفيقتي وأنا أعيش بدونه في سنوات الجامعة، كانت كصوته الذي يشعرني دائماً أن أبي هنا، وأن علي ألا أقلق، كنت أسير في المترو وأركب الميكروباص وأسير في الشارع وهي معي، وكأنه معي... يسير معي في كل تلك الأماكن، ممسكاً بيدي في شوارع وسط البلد، نحتسي القهوة وقطعة كرواسون في الأميركيين، نمر على مدبولي ونشتري بعض الكتب التي لا تعجبني ثم أجدني أقرأها بمنتهى الذهول بعبقريتها، فلقد كان دائماً الأفضل في اختيار الكتب، ثم نرتاح قليلاً في جروبي وهو يحكي لي حكاية كل شارع هنا، ويستطرد في شرح عظمة عم "مدبولي"، وكيف جاهد ليكون تلك المكتبة الكبيرة المطلة على طلعت حرب.

ربما اصطحبني إلى الحسين بعدها ليجلسني على الفيشاوي ويحكي لي حكايتها وحكايات مبدعيها، ويأخذني إلى الأزهر ليعلمني كيف علي أن أنبهر بهذا الصرح حتى لو تداعى أمامنا يوماً بعد يوم.


علمني والدي حب تلك الأشياء جميعاً، حب وسط البلد والقاهرة القديمة، حب الأزبكية والكتب ذوات الورق الأصفر، تعلمت حب المدينة القاسية لأن والدي قد اشتد عوده من قسوتها فكان الأشد حناناً.

ما زلتُ أحب فيروز وأحب أن أكتب على صوتها وأشرب القهوة معها، أحب فيروز التي تذكرني دائماً بالرجل الأول في حياتي بكل حنانه وقسوته وسحره وضحكته ورجولته وحكمته، الرجل الذي لم يدّعِ المثالية أبداً في حياته، الرجل الذي كان يخبرني كيف كان فاشلاً جداً في المدرسة ولم يكن من الأوائل ولا المميزين، ولكنه لم يستسلم لفشله، واجتهد ليكون الدكتور فلان الفلاني، الرجل الذي علمني أن أكون شديدة الحرية، جعلني امرأة حرة يهواها الرجال، ولكنها احتفظت بقلبها لرجل واحد، فقط علمني كيف اختاره وجعلني حرة في اختياري.

الرجل الذي شجعني على كل ما أفعله، وأخبرني بأنني حتى وإن لم أستمر فيكفي ما سأتعلمه، الرجل الذي غضبت منه كثيراً، وندمت أكثر لأنني كنت حمقاء في غضبي.. وكلما اشتقتُ إليه صنعتُ قهوتي واستمعتُ إلى فيروز وكتبتُ.. بمنتهى الحرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.