المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

العصماء محمد هاني Headshot

حَمَلتهُ كُرهاً "2"

تم النشر: تم التحديث:

اليوم رأيتُكَ بني آدم كاملاً.. أجل يا عزيزي.. رأيتُ إنساناً كاملاً داخلي.. جمجمة، عموداً فقرياً، يدين، قدمين... لم أصدق ما رأيته، فأصابتني هيستيريا ضحك مفاجئة، فأنا لا أستطيع حقاً استيعاب ما يحدث.. شخص ما داخلي.. داخل أحشائي.. يمضغ إبهامه باستمتاع وينام على بطنه غير مكترث بالعالم وما يحدث فيه.. طوال ثلاثة أشهر لم أصدق حقاً أنني أحمل طفلاً داخلي حتى اليوم؛ حيث رأيتُك شخصاً يُثبت وجوده في الحياة، يُثبت أحقيته في هذا العالم، فمرحباً بك طفلي الصغير.

سأحدثك اليوم يا عزيزي عن طبيبي.. هو رجل ذو شعر أبيض، يسير كما الرجل الكهل، يناديني دائماً بابنتي، يتعامل معي ومعك بحنان، ضحك لضحكي وشاركني سعادتي وطبع لي صورة من السونار واضحة وأخبرني أن أضعها في الألبوم.. كيف عرف أنني قد صنعتُ لك ألبوماً؟!

أتصفح صوركَ منذ أن كنتَ نُقطة صغيرة رأيناها بصعوبة شديدة حتى صرتَ إنساناً تحمل جمجمة وأرجلاً وذراعين.. فأتعجب من صنيع الله وأتجلّى مع بديع ما خلق، وأتخيلكَ غداً وأنتَ رجل تصطحب زوجتكَ إلى الكوافير وتجاملها على طعام صنعتُه على الرغم من أنه لا يعجبك، أتخيلكما وأنتما تريان ابنكما الأول في السونار نُطفة لا تُذكر ثم تسمعان نبضه الأول وتبكيان، أتخيلكَ رجلاً قاسياً ولكنكَ كالطفل بين ذراعي امرأتك، أتخيل بلوغكَ الأول وقصة حبكَ الأولى ومعلمتك الأولى التي تعلقتَ بها وتخيلتَ نفسك تتزوجها من شدة حبك لها، أتخيل المرة الأولى التي ستطرد فيها من العمل والمرة الأولى التي سيتم فيها ترقيتك، مشاجرتك الأولى مع والدك؛ لأنه لا يفهمك، ولأنك لا تفهمه، ثم تفعل له ما يريد على امتعاض فيسارع الخطى إليك ويخبرك أن تفعل ما تريده أنت فتطلب منه الرضا فيرضى ثم تبكي قليلاً دون أن نراك، أول ليلة مع زوجتك وأول مشاجرة وأول وردة وأول عيد حب، أتخيلك وأنت تخجل مني حين أمسك يدك في الطريق؛ لأنك أصبحت رجلاً، وأتخيلك وأنتَ تحمل عني حقيبتي؛ لأنني صرتُ عجوزاً لا تقوى على حمل متاعها، أتخيلك وأنتَ غاضباً مني وأنا أحاول أن أحتوي غضبك وأتفهمه، أتخيل كل الألم الذي من الممكن أن تصيبني به وكل السعادة التي ستجعلني أحيا فيها.. أتخيل ملحمة حياتية نعيشها معاً بكل مميزاتها وعيوبها وكل شجنها وسعادتها.

أتخيل أحلامي التي سأؤجلها من أجل العناية بك، والغضب الذي سيصيبني من تأجيلها، اللحظات الرومانسية مع والدك والتي سنُحرم منها بسببك، ربما سنتشاجر حول طريقة تربيتك، ربما سيفشل كلانا في وضعك على طريقه لتختار أنت طريقك الخاص، سأسرد عليكَ حكاياتي وسيسرد والدك عليكَ حكاياته، ربما سأغضب عندما أراك تسلك سبيل أبيك لتمتهن الهندسة رغم مجهوداتي لأحببك في الأدب، وربما سيغضب والدك عندما يجدك تحب الروايات وفيروز وتشرب فنجان قهوة صباحي، سأستمد منك الإلهام لكل رواياتي ومقالاتي ثم أنسبها لنفسي، سأستخدم خيالاتك كطفل في صنع قصص مثيرة، سألعب معك لتكون صديقي الطفولي الذي اختفى وقت أن أتممت بلوغي، ستكون فيلمي المفضل الذي سأحزن معه وسأفرح معه، ستكون صوت الأمل وأحياناً صوت الإحباط وأملك سيغلب إحباطك، فأنت الزرعة التي سأرعاها لأراها تنمو يوماً بعد يوم.

سأحلم بك يا صغيري، وسأفعل كما أخبرني طبيبي بأن أضع صورتك في السونار تحت وسادتي، سأنتظر يوم أن تكشف عن جنسك وشخصيتك وتكتسي عظامك لحماً، سأنتظر وقت أن تتكون أذنيك لأبدأ التحدث إليك وسرد الحكايات عليك.

أنا أنتظرك يا عزيزي.. أنتظرك بكل شغف.. أتمنى أن تتذكر شغفي بك واشتياقي لك وأنا ما زلتُ لا أعرفك.. ضعه في اعتبارك وقت أن تقرر الرحيل والابتعاد لشق طريق الحياة.. لن أمنعك.. ولكن أتمنى أن تشتاق إليّ كما أنا مشتاقة إليك الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.