المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء الدين مديني Headshot

من دون كل بترول العالم.. البترول الجزائري لن ينضب

تم النشر: تم التحديث:

مستقبل الطاقة ليس للبترول.. نعم هذا هو ما أجمعت عليه جل الدراسات الاستشرافية والجيولوجية، الكنز الأسود الذي جعل من دول الخليج العربي -على سبيل المثال لا الحصر- تلك الجنّة التي هي عليها الآن ليس هو رهان الطاقة في المستقبل، ولن يكون هو عصب الحياة المدنية الحديثة.

المسؤولون في شركة "توتال" الفرنسية توقّعوا بعد حسابات في بداية الألفية الجديدة أن البترول لن يعمر لأكثر من أربعين سنة أو مائة سنة إذا ما احتسبنا الاحتياطات الأخرى الممكنة.

وبعيداً عن التوقعات فإن الثابت في الأمر هو تراجع مخزون النفط في غضون سنة 2025، هذا المخزون حددته شركة "شال" في تقديرات خبرائها بأنه سيمثل 40% فقط من مصادر الطاقة العالمية في 2020، وهي ذات التقديرات التي وضعتها "الوكالة الدولية للطاقة".

هذا الأمر الواقع الذي فرض نفسه جعل معظم دول العالم وكياناته تتوجه نحو تنويع مصادرها الطاقوية التي تقوم عليها ديمومتها الصناعية والتكنولوجية والجيوسياسية، ولعل أكثر الباحثين عن البدائل هي الدول التي إضافة إلى استعمال البترول في مختلف الصناعات، تعتمده كمصدر دخل رئيسي، وكان هو العامل الأساسي في قيام نهضتها.. وتأتي في مقدمة تلك البلدان بلا منازع "دول منطقة الخليج العربي".

المملكة العربية السعودية.. أكبر دول الخليج العربي وأكبر مصدر للنفط الخام على مستوى العالم في الأعوام الثلاثة الأخيرة تعتمد خزينتها العمومية في مداخيلها على 93% من هذه المادة الحيوية.

ولكن "رؤية المملكة العربية السعودية 2030" وهي خطة تاريخية تتضمن تحولاً اجتماعياً واقتصادياً واسعاً، كما تتضمن إنشاء أكبر صندوق سيادي في العالم يحمل أكثر من 2 تريليون دولار أميركي.

ما يهم في رؤية صناع القرار السعوديين هو ما جاء حول مستقبل النفط في البلاد والرهانات القائمة حول ذلك.

ويهدف السعوديون إلى تحقيق التنوع في صندوقهم السيادي، وبالتالي: "التحوط من الاعتماد الكلي تقريباً للمملكة على النفط" وهو ما سيجعل الاستثمارات مصدر إيرادات الحكومة السعودية الأساسي وليس النفط، كما يقول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يؤكد أن بلاده سوف تصبح في غضون عشرين سنة اقتصاداً أو دولةً لا تعتمد بشكل رئيسي على النفط.

المملكة العربية السعودية اتجهت فعلاً نحو تنويع مصادرها الطاقوية، وبالتالي تنويع مصادر الدخل، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2017 أعلنت المملكة عن مشروعها الأول لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية عبر مشروع محطة ساكاكا بمنطقة الجوف، الذي سيعمل على توليد 300 ميغاوات بسعر هو الأقل من بين جُلّ مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية في العالم، وإضافة إلى الطاقة الشمسية يحمل المشروع شقاً آخر وهو محطة بقوة 400 ميغاوات تعمل على الرياح.

وما هذا المشروع إلا فيض من بحر من المشاريع الطاقوية والخدماتية الضخمة التي تهدف كلها إلى تحقيق "رؤية المملكة 2030 ".. مملكة لا يستعبدها النفط، ولا يرقص اقتصادها متأرجحاً على نغمات تأرجح أسعار النفط في الأسواق العالمية.

وغير بعيد عن السعودية ورؤيتها المستقبلية لسنة 2030، يحمل صناع القرار في دولة قطر رؤية مطابقة للرؤية السعودية، وإن اختلفت الآليات وسبل التجسيد.. دولة قوية بقوة اقتصادها المتنوع والمرتكز على الاستثمارات والخدمات وطاقاتها المتجددة بعيداً عن النفط.

وتهدف رؤية قطر تحديداً إلى "تحويل الدولة إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة من خلال السعي إلى تطوير اقتصاد متنوع يتناقص اعتماده على الهيدروكربون، ويتجه نحو الاستثمار في الاقتصاد المعرفي".

قطر انطلقت فعلاً في تجسيد رؤيتها للعام 2030 من خلال الاستثمار في تنظيم كبريات الأحداث العالمية، فعلى سبيل المثال لدى قطر حالياً تجربة رائدة في تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى انطلاقاً من استضافتها لبطولة كأس العالم لكرة اليد عام 2015، بالإضافة لأكثر من 90 حدثاً رياضياً محلياً وإقليمياً وعالمياً تشهدها الدوحة كل عام ويتم تنظيمها بمهنية واحترافية عالية، وأخيراً وليس آخراً فالبلاد مقبلة على تنظيم الحدث الرياضي الأضخم في العالم (كأس العالم لكرة القدم) سنة 2022 كأول دولة عربية وشرق أوسطية تقوم بذلك.

وقد تكون هذه الأرقام من صندوق النقد الدولي كفيلة بتقديم نظرة دقيقة حول الاستثمارات القطرية المتميزة، فخلال الحقبة الممتدة بين عامَي 2008 و2012 سجل الصندوق وتيرة تصاعدية في الاستثمارات الخارجية القطرية؛ حيث بلغت 60 مليار دولار في 2008، وتضاعفت أربع مرات في 2012 لتصل 260 مليار دولار، ويتوقع الصندوق أن تصل في سنة 2018 عتبة 480 مليار دولار في 34 دولة حول العالم.. (وتتنوع الاستثمارات الخارجية القطرية بين الاستثمار في الشركات العقارية العالمية الكبرى والبورصات وشركات الطيران الكبرى والأندية الرياضية والفنادق..).

وتوجد الاستثمارات القطرية في أسهم سوق لندن للأوراق المالية بقوة وتشكل 25% ما دفع المتتبعين للتساؤل: هل ينافس القطريون "عائلة روتشيلد"- لمن يعرف عائلة روتشيلد؟

الإمارات العربية المتحدة نجحت هي الأخرى في رهان التحرر من التبعية للنفط وقطعت أشواطاً كبيرة في تنويع الاقتصاد من خلال ولوج عالم الاستثمارات بقوة حتى بات النفط يساهم بـ30% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

وتستثمر الإمارات في قطاعات البنى التحتية والطاقات المتجددة والسياحة والصناعة وتكنولوجيا المعلومات والتشييد والإنشاءات والنقل والطيران المدني والخدمات المالية والمصرفية والمنتجات الزراعية والرعاية الصحية والرياضة العالمية.

ففي مجال الطيران مثلاً تمتلك الإمارات واحدة من أكبر شركات الطيران وأسرعها نمواً في العالم، وهي شركة طيران الإمارات، وعلى ذكر عالم الطيران لن نستطيع المرور دون ذكر مطار دبي الدولي الذي يعتبر الأسرع نمواً حول العالم أيضاً بطاقة استيعاب 90 مليون مسافر سنوياً.

ولكن الحال ينقلب 180 درجة إذا ما اتجهنا إلى الجزائر وحاولنا البحث عن مشاريع الطاقات المتجددة، أو مشاريع تنويع المداخيل بعيداً عن النفط، فلا مخططات للحكومة لذلك ولا حقول طاقة شمسية ضخمة في صحراء الجزائر رغم ما يتوافر من مقومات قلَّ نظيرها في العالم لأجل ذلك، ولا توجد أي تصورات مستقبلية لتحول شركة النفط الوطنية "سونطراك" إلى شركة للطاقات المتجددة.

ورغم أن المقومات التي تمتلكها الجزائر لتكون رائدة في العديد من المجالات خارج النفط أكبر بكثير من الأمثلة التي ذكرناها فإن صناع القرار في البلاد لا يبدون أي تحرك في هذا الاتجاه ولا يظهرون أي مواكبة لسيرورة العالم نحو التحول والتجديد.

وهو ما يضعنا أمام احتمالين لا ثالث لهما؛ فإما أن البترول الجزائري لن ينضب عكس كل بترول العالم، وإما أن أصحاب السلطة في البلاد لا يبدون أي اهتمام لمستقبل الأجيال القادمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.