المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء الدين مديني Headshot

الصحافة الجزائرية في عيدها... هل هناك عيد حقاً؟!

تم النشر: تم التحديث:

احتفلت الأسرة الإعلامية الجزائرية منذ أيام بعيد الصحافة الجزائرية، بعدما أقره رئيس البلاد "عبد العزيز بوتفليقة" عيداً رسمياً وطنياً، أثناء احتفال الجزائر كما العالم باليوم العالمي لحرية التعبير والصحافة في الثالث من مايو/أيار من سنة 2013.

وبغض النظر عن القيمة التاريخية والوطنية التي يحملها هذا التاريخ والذي يوافق صدور أول عدد من جريدة "المقاومة الجزائرية" في الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول من عام 1955؛ لتكون بذلك الناطق الرسمي باسم حزب وجبهة التحرير الوطنيين إبان الثورة التحريرية، فإن هذا التاريخ لا يحمل من الأهمية شيئاً إذا ما قارناه مع واقع الصحافة والإعلام، بل حرية التعبير بشكل عام في البلاد.

فعلى مدى ما يقرب من ثمانٍ وعشرين سنة من تاريخ فتح باب التعددية الإعلامية التي نص عليها دستور 89، وأسس لها قانون الإعلام لسنة 1990 المعروف بـ(90-07)، لا تتضح أية معالم تدل على صحافة متعددة، حرة في الطرح والتناول.

والحال هنا أن معظم قوانين الإعلام الصادرة لم يولِ فيها المشرّع الجزائري الأهمية والعناية بالإنتاج الذي ستقدمه الصحافة، والذي يجعله، بل يلزمه، بفتح باب الحرية الإعلامية على مصراعيه أمام المؤسسات الإعلامية؛ لكي تقدم الأفضل.

ولكن الذي حصل غير ذلك تماماً، خاصة بعد الأزمة الأمنية التي مرت بها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، والتي اقتضت من الحكومة الجزائرية التعامل معها بمختلف الطرق الممكنة، والتي كانت في معظمها طرقاً فيها من التعسف والظلم ما فيها.

وبطبيعة الحال لم يشكل الإعلام استثناء، فكان له نصيب من التعسف وطاله ما طاله.. وجاء القرار الحكومي يونيو/حزيران 1994 المتعلق بالإعلام الأمني والرقابة المسبقة في المطابع؛ ليكرس ذلك ويلجم أفواه المؤسسات الإعلامية حديثة الولادة، ويجعلها غير سيّدة على ما تنشر.

لتأتي بعد ذلك سلسلة الاغتيالات التي طالت عدداً كبيراً من الصحفيين والإعلاميين من القطاعين العام والخاص، فأصبحت الصحافة في تلك الفترة تجسد حرفياً القول الشهير الذي يطلق عليها "مهنة المتاعب"، وهو ما دفع بالكثير من الصحفيين إلى الهجرة حفاظاً على أرواحهم، أما مَن لم يختَر طريق الهجرة منهم فأصبح ينشط وفق أسماء مستعارة..

هذه الفترة شهدت أيضاً تناقصاً رهيباً في عدد الصحف التي أغلق معظمها.

جاءت الألفية الجديدة وحملت رؤى وتطلعات جديدة أيضاً، لعل الصحافة تفتح مع القرن الجديد صفحة جديدة هي الأخرى يكون عنوانها "إعلام حر نزيه وهادف" يجسد فعلياً المسمى الذي يطلق عليها: "السلطة الرابعة".

لكن الواقع الجزائري لم يكن وفق مستوى التطلعات كعادته، وظل الحال على ما هو عليه.

انقضى العقد الأول من الألفية الجديدة على تلك الحال، وحل العقد الثاني الذي حمل بوادر انفتاح أكبر، ففي جملة الإصلاحات التي أعلن عنها الرئيس بوتفليقة في أبريل/نيسان 2011 كان هناك مشروع إعلامي رسم نقطة ضوء في أفق الصحافة الجزائرية المظلم، إنه التوجه نحو فتح باب السمعي البصري أمام الخواص، ورفع يد الدولة الثقيلة عنه.

جاء وليد الإصلاحات التي أقرها الرئيس بوتفليقة في شقه الإعلامي قانوناً عضوياً جديداً للإعلام، عرف بـ(12-05)، ولكن ورغم إقرار القانون، فإن الجدل استمر بشأن نية السلطة في الذهاب فعلاً نحو الانفتاح في المجال السمعي البصري.

وكانت أولى التجارب مع "جريدة النهار الجديد"، التي أطلقت "قناة النهار تي في" في بدايات 2012؛ لتحذو حذوها صحف أخرى كـ"الشروق" و"البلاد" و"الأجواء" و"وقت الجزائر"، ولاحقاً "الخبر" مع "قناة kbc" وغيرها.

ولكن الأمر المثير في تجربة الصحافة الجزائرية عامة والقطاع السمعي البصري خاصة ليس الولادة العسيرة التي جاءت بها أو به إلى الساحة الإعلامية الجزائرية، وإنما المثير والمخيب في الأمر هو الممارسة وظروف العمل التي فرضها بالدرجة الأولى أصحاب القرار في البلاد.

وبدلاً من تقديم الإضافة إلى الساحة الإعلامية والوطنية، تركَّز جوهر عمل القنوات الفضائية الجزائرية الخاصة على محاولة ضمان الاستمرارية، وكيف تضمن الاستمرارية في الجزائر! هو طريق واحد سلكته جل القنوات، ومن حادت عنه كان مصيرها الغلق والتشميع أو التضييق عبر سوط الوكالة الوطنية للنشر والإشهار حتى تخنقها الأزمة المالية، أو يثور عليها عمالها -الذين هم في النهاية أرباب بيوت ومواطنون كغيرهم من المواطنين- لهم من الاحتياجات ما لهم، وعليهم من الالتزامات ما عليهم.

وبالحديث عن الإشهار، فإنه أكسجين الصحافة الجزائرية، الذي استغلته السلطة أيما استغلال فكانت يد الوكالة الوطنية للنشر والإشهار سخية كريمة إلى درجة البذخ مع القنوات التي تسير وفق الخط المرسوم، في حين أغلقت قارورة الأكسجين تلك على القنوات التي أبدت اتباع نهج المعارضة أو النقد حد الاختناق.

وماذا بعد الاختناق إلا الموت؟!
وهو ما يفضح سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها السلطة.

وعلى العموم شهد العامان الأخيران فقط توقف العديد من العناوين والقنوات عن الصدور أو البث.

الصحافة المكتوبة سجلت توقف "الجزائر نيوز" في 2014، و"الأحداث" في 2016، و"لاتريبين" -ناطقة بالفرنسية- في 2017، وكذلك التحرير في نفس السنة.

أما السمعي البصري فشهد "وأد" ثلاث مؤسسات خاصة على الأقل، بدأ الأمر عندما تم تشميع مقر قناة الأطلس ليلة الحادي عشر من مارس/آذار 2014 مع مصادرة وحجز وسائل التسجيل، متهمة القناة بنشر رسائل تحريضية دون أي وجه حق.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2015، داهمت قوات الشرطة مقر قناة الوطن وقامت بغلقها بقرار من وزير الاتصال، بعدما بثت القناة برنامجاً استضاف أحد أبرز وجوه ما يعرف بالعشرية السوداء"، "مدني مزراق"، الذي وجه تهديدات لرئيس الجمهورية حسب زعم السلطات.

ثالث الموءودات من المؤسسات الإعلامية كانت "قناة الخبر - كي بي سي" التابعة لمجمع الخبر العريق.

مصير "كي بي سي" لم يكن الغلق والتشميع المباشر كما الأطلس والوطن، وإنما غلق "قارورة الأكسجين" -الإشهار- وذلك بعدما قام رجل الأعمال الشهير "يسعد ربراب"، الذي لا تربطه علاقة طيبة مع السلطات في الجزائر بشراء مجمع الخبر في صفقة تجارية عادية.

ثم تقرر إلغاء الصفقة وصاحبه العديد من المداهمات لعناصر الدرك والشرطة لمقر القناة وسجن مديرها مهدي بن عيسى لفترة.

ظلت القناة تعاني تحت طائلة أزمة مالية خانقة فرضت عليها "عقاباً لها"؛ لتتوالى بعد ذلك عمليات الاستقالة ثم التسريحات إلى أن أغلقت القناة مُجبَرة لا مخيّرة في سبتمبر/أيلول 2017.

فهل بعد كل هذا يحق لوزارة الاتصال في الجزائر أن تقر عيداً للصحافة وتقيم حفلات الغداء والعشاء لذلك؟!
هل للصحافة الجزائرية حقاً عيد؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.