المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

العباس ناصر Headshot

تعز.. من ميليشيا إلى أخرى

تم النشر: تم التحديث:

حاصرت ميليشيا الحوثي وصالح مدينة تعز لما يربو على عامين ونصف، وفي السنة الأخيرة فتحت المقاومة ممرّاً واحداً لم تستطِع المدينة التنفس من خلاله.

المدينة، وتحريرها لا يحتاج أكثر من أسبوعين، تعيش وما زالت عنفوان الإرهاب الحوثي بصورته القصوى، وعلى مدار تلك المدة كانت أسلحة ميليشيا الحوثي وصالح تصدر الصفير المفزع على المدينة.

في مقابلته مع داود الشريان قال ولي العهد السعودي "بن سلمان": إنّ صالح سيكون له موقفٌ غير موقفه الذي يتبناه الآن إنْ تمكن من الإفلات من الحوثيين.

بمعنى آخر، كما أفسّرها: إنّ صالح من الممكن أن يكون شريكاً للتحالف إنْ أصبح متفرّداً، ويملك قراره.

أعتقد أنّ ولي العهد كان لا يقصد سياسة فرّق تسُد بين الحوثيين وصالح بحديثه وأيضاً، من جانب آخر، عندما لم يُدرج صالح في قائمة الإرهابيين المطلوبين في الخلية الحوثية، بل كان يعي ما قاله للشريان، وكأنه يتحدث عن صديق يعرفه منذ سنوات بعيدة.

في كلمة قريبة قال صالح مغازلاً التحالف: إنّ المشكلة اليمنية تكمن في خلاف بيننا نحن، أي بينه والسعودية، وأنّ كل من تعتمد السعودية عليهم "ويقصد الشرعية اليمنية" هم رعيّته، أو على حد وصفه: "خبز يدّه والعجين". فيما بعد راح يضيف، أيضاً، في سياق مخاطبته للتحالف، أنّ المتواجدين في الشرعية لن ينفعوكم ولن يوصلوكم إلى طريق، وفي تعز وصرواح ونهم، وكل الجبهات، لن تتقدم الشرعية شبراً واحداً.

يريد صالح أن يقول للتحالف، ولنا أيضاً، إنّه رجل السعودية الأول والأخير.

السعودية وصالح والسلفية في محبة وصداقة، والخلاف الظاهر بين صالح والسعودية عبارة عن هامش في مسألة فنّية.

وفقاً لهذه المعزوفة الحزينة يمكننا القول: إنّ التحالف يعرف صديقه، لكنه ضل الطريق، بيد أنّه لم يضل الطريق كثيراً، ومال إلى صديقه الآخر وصديق صديقه صالح "السلفية"، التي يعمل التحالف على دعمها في كل منطقة حررها من الحوثيين. السلفية صديقة صالح قطعاً، وتتبعه إلى حد كبير وبطريقة ما واضحة في تعز على وجه الخصوص.

في الشهر الأخير تمّ وضع عادل عبده فارع، المكنّى بأبي العباس في قائمة الإرهاب، وهو رجل سلفي ومحارب ضد الحوثيين منذ حروب صعدة تحت دعم صالح، وفي الحرب هذه دعمت الإمارات وبقوة السلفي فارع في تعز لتكوين ميليشيا خارجة عن إمرة الجيش الوطني في تعز، عقيدة وشكلاً. فارع، السلفي العتيد الذي يحرّم التصوير الفوتوغرافي، يكنّ تقديراً عريضاً لصالح وقد قال قبل عام: إنّ الثورة الفبرايرية التي خرجت ضد صالح في 2011 عبارة عن كفر أو ليست شرعية.

كما قلت، وبقطع النظر عن دلائل أخرى: نحن أمام دائرة صداقة ليست مثقوبة بطريقة جوهرية.

كتائب فارع وبإيعاز من الإمارات كان قد صدر قرار بضمها للجيش الوطني، وأصبحت تابعة للواء 35 المنضوي تحت الجيش الوطني التابع لشرعية الرئيس هادي.

القرار الذي جعل من فارع إرهابياً حمل طابع الفردية؛ إذ شمله وحده فقط، لكن، وكما يقول لنا العقل ونتاج القرار السياسي وبما أنّ فارع عبارة عن كتائب وجماعات متصلة به؛ ينسحب القرار الأميركي على كتائب فارع/ أبي العباس، والأخيرة تعد شكلياً كتائب تابعة للجيش الوطني وهو ما يفسر طابع الفردية في القرار؛ لكي لا يوصف الجيش الوطني بأنه يشتمل على ميليشيا إرهابية.

تركت الإمارات مدينة تعز لمخالب الإرهاب الحوثي لحسابات خاصة بها، أو لأنّ حزب الإصلاح يُشكّل جزءاً كبيراً من المقاومة الشعبية في تعز. في الجهة الغربية، سيطرت الإمارات على بحر المخا التابع لمدينة تعز في ظرف أسبوعين، فهي تسيطر على ما يخصها ويعزز من قوتها الرأسمالية فقط، وبأصدقاء صالح السلفيين.

عندما حان الدور لتسيطر على مربعات مدينة تعز التي سبق أن حررتها المقاومة الشعبية من الحوثيين، وبعد فشلها بقطع الشطر الساحلي لتعز من المدينة بطريقة ما وكمحافظة جديدة بقرار من هادي، قرّرت وهي تعمل منذ شهرين حد اللحظة على فرض كتائب "عادل عبده فارع" المُدرج في قائمة الإرهاب، وتمكينها على تعز كما فعلت في عدن، والأخيرة متوقفة عن الحياة إلى حد البكاء.

والسؤال الآن: هل تستطيع الإمارات هزيمة السياسة والحياة في تعز، كما فعلت في عدن؟

فرح اليمنيون بوثيقة الحوار الوطني في يناير/كانون الثاني 2014، أو بعبارة أخرى: فرح اليمنيون بالمجتمع المدني الشكلي الذي يعد نتاج ثورة فبراير/شباط، ويجدونه الخلاص. بخلاف الأصدقاء المختلفين حالياً "السعودية وصالح والسلفية" والحوثيين العدو المتفق معهم في هذه النقطة تحديداً، يرى اليمنيون في وثيقة الحوار الوطني الوثيقة الدالة على الطريق التي تبني مجداً.

وما إن يعتقد اليمنيون بأمر يتكهنون بالخير والعيش الصالح منه يجدون من يوقفه ويجعله رماداً، وسرعان ما يروح اليمنيون ليهمسون بحزن: "مسكينة بلادنا؛ قريبة من السعودية"، وهذه العبارة وجدتْ نفسها في الواقع وتركتْ أثراً.

في أغسطس/آب الماضي خرجت القوى السياسية في تعز بوثيقة سياسية مؤقتة، من 12 صفحة، تقول بالخلاص المرحلي، وتعتبر نفسها جسراً يوصل فيما بعد إلى وثيقة الحوار الوطني.

السعودية ومن معها وصالح والسلفيون، فرادى ومجتمعين، ضد وثيقة الحوار بشكل مخفيّ وما يقوله الواقع؛ إذ هم أبعد ما يكونون من وثيقة كهذه، وفي نهاية المطاف تحتاج السعودية إلى عشرين قرناً أو يزيد لتصل إلى المجتمع المدني الذي تتحدث عنه وثيقة الحوار الوطني، وبما أنّ السعودية لا تريد الوثيقة؛ راحت بدورها تقدّم لنا علاجها الخاص.

عندما خرجت السياسة بوثيقة الحوار الوطني قال اليمنيون: إنّ الحياة ستكون على الطريقة المثلى التي يريدونها، وعندما سيطر صالح والحوثي على صنعاء خريف 2014 قال اليمنيون: إنّ الوثيقة أصبحت في خانة اللاوضوح، وعندما جاء التحالف قال اليمنيون: إنّ الوثيقة ستخرج للنور شيئاً فشيئاً.

لكن، وفجأة، ضلَّ التحالف طريق الوثيقة بعد تحرير أكثر من 70% من الأراضي اليمنية من ميليشيا الحوثي، كما يحدد النسبة الرئيس هادي، وأصبحت أكثر من نصف المساحة بيد ميليشيا أخرى، حينها قال من يؤمنون بالوثيقة من اليمنيين: إنّ التحالف يقدم علاجاً هو الداء نفسه.

إذا كان لي من نصيحة يمكن تقديمها للقوى السياسية في تعز فهي كالتالي: إمّا المحافظة على السياسة والمجتمع المدني، وإمّا ستجدون، في آخر المطاف، ميليشيا ضارية أمامكم إن حصل كما في عدن.

والإمارات تجتثّ حزب الإصلاح سقطت صنعاء بيد ميليشيا الحوثي، وهي تجتثّه في الجنوب سقطت عدن وما حولها من مدن بيد ميليشيا إماراتية، وإن تركتم الإمارات في تعز تفعل ما تشاء فستصبحون وكل تعز، بالغباء وحده، بيد ميليشيا جديدة كما تحاصركم الآن ميليشيا.

بعيداً عن المشاريع الجاهزة، وحدها الندّية بمفهومها الإيجابي مَن تجعل السياسة تنتج صلاحاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.