المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

العباس ناصر Headshot

عن موتٍ صغير للحقيقة.. الصحفي أنموذجاً

تم النشر: تم التحديث:

وهي رئيس موقع "هاف بوست"، عبَّرت ليديا بولغرين بمقالة كتبتها عن النسخة الجديدة للموقع، بدقة وتركيز عاليين، عما يمكن وصفه بـ"قاع المجتمع"، فقد فرقت بين "عن ولهم" بسؤالها في بداية المقالة، وهو السؤال -حسب بولغرين- الذي دفعها إلى أن تصبح من أسرة "هافينغتون بوست"، أو "هاف بوست" بحسب رغبة الجماهير، تاركة "نيويورك تايمز" تغرق فيما هي فيه.

بدأت بولغرين مقالتها الأسبوع الماضي بسؤال محوري، على حد وصفها، عن ما الذي سيعنيه أن تكتب مؤسسة إخبارية ترى نفسها تقترب من الناس الذين يشعرون بالتهميش في القضايا السياسية، وقضايا أخرى تخصهم، بطريقة الكتابة "لهم وليس عنهم".

ليس سؤالاً محورياً في الصحافة ككل كهذا السؤال، إنه سؤال الوجود واللاوجود في الصحافة.

تعتقد بولغرين أن موقع هاف بوست وجودي، ينزل من عليائه إلى قاع المجتمع بطريقة متضمنة الصدق والحقائق، العاملين الأساسيين للأخبار كما تعدهما بولغرين، ويقدم للجماهير الصورة العريضة للحقيقة. وهو يقدم، سيتناسى هاف بوست والقائمون عليه، كما أنظر على الأقل، ما يمكن أن يلحق بهم من مخاطر. بالتوازي، يستقصد الموقع إضافة مشاعره والحس الفكاهي إلى الحقيقة، وهي عوامل أساسية في الصحافة، تقول بولغرين، والمجتمع، أو شريحة كبيرة منه، يستقي معلوماته من الكوميديا.

الصحفي القائل للحقيقة، بوصفه كذلك، يعي المخاطر التي ناقشها أفلاطون وسقراط حول مسؤوليات المواطن، والصحفي مواطن في الأصل، في مجتمع عادل. بطريقة واضحة وشيقة، يشرح سقراط من هو راغب في قول الحقيقة في عالم السياسيين. "بطل العدالة الحقيقي، يقول سقراط، إن أراد أن يبقى حياً لزمن أطول، عليه، بالضرورة، أن يقيّد نفسه بحياته الخاصة ويدع السياسة وشأنها، ما من إنسان على وجه الأرض، يضيف سقراط، يمنع بوعي أخطاء وأعمالاً غير شرعية عظيمة كثيرة الحدوث ما يمكنه النجاة"
.

منذ الماضي الموغل إلى حد اللحظة، ثمة من يخبرنا عما يتعرض له المواطن والسياسي والكاتب والصحفي من أذى، وحتى الفيلسوف والمفكر.. إلخ، قائل الحقيقة عموماً، وغالباً ما يكون معارضاً لنظام الحكم في الدولة التي ينتمي إليها، أو للأفكار التي تعمل بها الحكومة، لسبب ما.

على سبيل المثال، في المدرسة الثانوية، في 2007، قرأتُ عن حادثة الصحفي التركي الذي قتل على يد تركي قومي، بسبب نقده اللاذع لحادثة سياسية ما. تذكرت هذه الحادثة مع مقتل الصحفي محمد العبسي، الذي قتله الحوثيون في ديسمبر/كانون الأول الماضي. راح العبسي، وهو يعيش في العاصمة صنعاء منذ سقوطها بيد الحوثيين، يجتهد، بطريقة فريدة، لكشف كل أوراق اللعبة الاقتصادية المُحكمة من قِبل الحوثي وصالح. وهو يكشفها، وجد الحوثيون مبرراً، يشبه الطابور الخامس قبل أن يخرج للنور، وقتلوه بلا شفقة وهو يتزوج لتوّه.

في آخر خطاب له، راح الحوثي يضيف لليمنيين غماً جديداً، هذه المرة عنوانه "الطابور الخامس" ولم يسلم الصحفيون منه. إن كان لنا أن نشرح عملية الطابور الخامس فهي كالتالي: عملية وضع كل يمني، تكهن الحوثيون أنه ضد مشروعهم السلالي النازي، قال شيئاً ما أو أدلى برأي ما، في خانة الطابور الخامس وجره إلى الوحل، ثم يطلقون عليه أفظع التهم ثم سيجدون مبرراً لقتله، أو بعبارة أخرى: عملية تيه جديدة يقدمها الحوثيون لليمنيين.

وفقاً لتقارير صحفية، قتل أكثر من تسعة صحفيين منذ سيطرة ميليشيا الحوثي وصالح على العاصمة صنعاء، وعشرات منهم يقبعون في السجون، ومن في السجون، تطالهم أيادي التعذيبات البشعة، منهم من قُتل بطريقة حوثية ما، أو أن الحوثي قد وضعه كدرع بشرية في مخازن الأسلحة التابعة له ومات إثر غارات للتحالف العربي، ومنهم مَن يستمتع الحوثي بتعذيبه حد اللحظة.

الشهر الماضي، أصدرت محكمة يمنية تابعة للانقلابيين الحوثيين وصالح حكماً على صحفي يمني بالإعدام، يدعى يحيى الجبيحي، مسببة حكمها بتخابر الصحفي الجبيحي مع دولة أجنبية.

إن كان لنا أن نصف ما يجري للصحفيين، فهذه العبارة المتداولة في الصحافة اليمنية عن عامهم الماضي كافية للوصف: عام 2016 العام الأسوأ في تاريخ الصحافة.

قبل أسبوع، دعت نيابة الأموال العامة بصنعاء، التابعة للحوثيين، 16 صحفياً، للتحقيق معهم على خلفية دعوى مقدمة من رئيس مؤسسة الثورة للصحافة، المسيطر عليها من قِبل الحوثيين. الصحفيون، المتهمون، كانوا قد نظموا احتجاجات للمطالبة بالمستحقات المالية كونهم يعملون لدى المؤسسة، وهم يحتجون، كان للحوثيين أن يضعوهم في الطابور الخامس بلا سبب، معرضين حياتهم للخطر.

في الطابور الخامس يقبع كل اليمنيين المخالفين للهاشمية السياسية، أو للطائفية السياسية. كل اليمنيين في الطابور الخامس، أما الهاشمية السياسية فهي قابلة للتعريف: الحوثي وصالح، والقبائل التابعة لهم.

في حادثة سقراط الشهيرة، حينها حكم عليه بالموت من قِبَل المحلفين، يعطي سقراط، لنا وللمحكمة، فهماً جديداً لما تعنيه عملية ضخ الحقيقة والعض عليها. كان يعي جيداً مخاطر إعلان الحقيقة، والمرء الذي يعارض الأخطاء والأفعال اللاشرعية، يقول سقراط، يدفع حياته ثمناً للمجاهرة بالحقيقة ومعارضته للأفعال اللاشرعية. فليس ثمة شخص يعي أكثر من سقراط أن الهدف الأول والكلي، في الحياة، كما يجب أن يعي الجميع هو قول الحقيقة. وهو يعي، راح سقراط يعض على الحقيقة غير آبه بنتائجها، ومات موتاً صغيراً بلا مشقة، مقايضاً حياته بالموت الصغير للحقيقة الذي يأتي، والحقيقة بعيدة عن الموت الكبير.

واحدة من أقوى المفارقات هي أن يتتبع الشخص الحقيقة ويعتقد، لبرهة، أنها ستجلب له الموت، حتى ولو كان منزوعاً من مشقته. خورخي بورخيس عبر عن ذلك على هذا النحو، على لسان أكثر شخصياته رعباً: دع الفردوس يوجد، حتى لو يكون مكاننا الجحيم. يريدنا ثرفانتس أن نواجهها: العدالة هي ضرورية، ضرورية، حتى لو تبع ذلك أفعالاً أخرى، أو ربما شر كبير.

ونحن نقرأ الأدب، نجد ركناً أدبياً على نحو غزير عن الحادثة، أو عن الموت الصغير الذي يحدث لمتتبعي الحقيقة. فالمواطن، والصحفي مواطن في الأصل، يحتفل به الأدب بصورة ما: البطل الذي يقتل سعياً وراء الحقيقة، ويموت بلا مشقة.

على المواطن، على الصحفي، أن يقول الحقيقة، بطريقة أو أخرى، وإن لم يستطِع فينبغي له أن يقدمها همساً، هكذا أحدّث نفسي، وإن لم يستطِع تقديمها همساً، عليه أن يعرف أنه يهوي، ومن يهوي يرتطم، ومن يرتطم يموت، يموت بمشقة مفزعة.

المجتمع العادل ليس سوى مجرة مكتظة بالحقيقة، وتقديمها -كما تقديم أي شيء مهم- أمر واجب، حتى والحقيقة، كما يشرح سقراط، ستأتي، لمن هو راغب في قولها، بالمخاطر واللانجاة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.