المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء عسقول Headshot

روح الانتفاضة.. الطريق إلى ناحل عوز

تم النشر: تم التحديث:

فتح السائق الذي كان يقلنا إلى أقرب نقطة تماس من موقع ناحل عوز شرق الشجاعية الراديو لنسمع صوت قيادي فلسطيني معروف يدعو العرب لمساندة الانتفاضة بكافة الوسائل والأشكال، ثم أنهى المذيع النشرة وانتقل إلى خطبة لقيادي آخر من تنظيم آخر، بدا على الرجل مهارة في الخطابة وتمرس إلا أن ركاكة لغته دفعت ذهني بعيداً عنه في خاطرة مقلقة مفادها أن يا لها من نهاية بائسة للانتفاضة أن تموت مطعونة على يد التنظيمات بسكين الكلمات والشعارات المفرغة المضمون.

الأمن الفلسطيني

وصلنا المكان الذي كنت أدخله أول مرة وكنت أعتمد على صديقي الجديد حسان في أن يدلني على الطريق. وجدنا حشداً من الشباب ليس كبيراً لكنه يكفي لكي يقلق رجال الأمن الذين يحاولون منعهم من الوصول لنقطة المواجهة ولم يكن يبدو على الشبان نية التراجع.

تبعنا مجموعة من الشبان حتى وصلنا مدخل أرض زراعية كان محروساً أيضاً برجل أمن، تقدم شاب ملثم بكوفية من الرجال، وقال وكأنه هو صاحب الكلمة العليا: "من وين بدك ندخل عن يمينك ولا عن شمالك؟ يلا اعمل حالك مش شايف واحنا بندخل".

خطر لي أن ربما يكون للكوفية سلطة على السلاح في هذه البلاد، فرجل الأمن في غزة له ثقل وإغضابه يجر عواقب، وكلمات الشاب كانت لتلقى ردة فعل أكثر حدة، لكنه ابتسم هذه المرة ونادى على الضابط الذي جاء مندفعاً مع مجموعة من جنوده نحو الشاب وكشف عن وجهه وقال: "ما تبيع علينا وطنية يا فلان، قدمنا 500 شهيد حجارك مش رح تعمل اشي، يلا امشي من هان" وبدأ الضابط مع جنوده بالصراخ في الشبان.

اقترب مني أحد رجال الأمن ليحاول صرفي فتكلمت معه وشرحت له أني مع زملائي في المكان لنوزع الماء والكمامات في حال حدوث مواجهات، فتطوع ليشرح وجهة نظره، قال: "والله يا عمي احنا بنعمل هيك لمصلحتكم اتطلع هناك - وأشار الى الحدود - انتا لو وصلت السلك ورميت حجر، الحجر ما بيصل، ولو وصل شو بده يعمل فيهم؟ مدرعين".

وقاطعه شاب شارحاً: "الجمعة يلي فاتت كل الشهدا طختهم بنت وحدة، طخت واحد هان وطخت واحد هان، اشار الى وجهه ورقبته".

بدا كلام رجل الأمن منطقياً وبدت فرصة حصول المواجهات أكثر ضآلة، وراحت تراودني أفكار من قبيل لماذا نعرض أنفسنا للخطر؟ من أجل من؟ إن كان من يدعو للانتفاضة يمنعنا من الوصول للحدود .
ناداني حسان وقال: "اطمن الشباب رح يدخلوا غصبن عنهم، كل مرة بصير هيك".
سرنا قليلاً نحو الشمال وإذ بمجموعة من الشبان التفوا على الأمن وتجاوزوهم، لحقنا بهم بسرعة.

شارع جكر

سرنا مسافة ليست قليلة في أراض زراعية محروثة ووعرة مع شمس ليست كشمس الصيف لكنها لم تكن لطيفة أيضاً، حتى وصلنا إلى شارع جكر وهو شارع أنشأته كتائب القسام على طول الشريط الحدودي مع اسرائيل.

وبمجرد أن وطأت اقدامنا الشارع حتى وصلت سيارة جيب تحمل رجال أمن فلسطينيين، نزل أحدهم وكان يتكلم بهدوء "وين يا شباب، وين رايحين، ارجعوا الله يرضى عليكوا" وقفت قليلا وناديت حسان الذي تجاهل الرجل واكمل مسيره ثم نظر إلي وأشار بيده أن تعال، التفت عندما سمعت رجل أمن آخر يصرخ بشاب" ارجع لما يقلك الضابط ارجع بترجع".

فاستفزني وشعرت بالتحدي على الفور وخطر لي أني أقف الآن على شارع اسمه جكر- وهي كلمة فلسطينية تعني نكاية- وإن كانت لدي نية الرجوع من قبل فسأدخل هذه المرة "جكر" في رجل الأمن المتعجرف هذا. والمفارقة أن للشارع اسمان "جكر" و"العودة" وكنت عندما سمعت باسم جكر أول مرة كرهت الاسم الا انني فضلته على العودة هذه المرة.

الغاز المسيل للدموع

متستراً بالدخان المتصاعد من الاطار المحترق لم اكن اعلم كم هو ودود هذا الدخان الأسود حتى قابلت الغاز الأبيض، لم اكن قد جربت الغاز المسيل للدموع من قبل.

ليست الرائحة الكريهة التي تغتصب أنفك هي أكبر مشكلات الغاز فبعد بقليل ستشعر بألم في صدرك وكأن شيئاً صلباً وحاراً وصل إلى رئتيك من الداخل، ناهيك عن ألم في العينين مع دموع لا تتوقف وشيء يحرق الجلد حول عينيك، كل هذا في نفس اللحظة والشيء الوحيد الذي يمكن أن يقدمه لك من هو حولك هو "لا شيء"، لأن الشيء الوحيد الذي يمكنك أن تفعله أنت هو "لا شيء" سوى الانتظار حتى تذهب آثاره وحدها، "لا تفرك عينيك، ولا تضع عليها الماء" تعليمات يلقيها عليك من حولك دون اهتمام وأنت غارق في دموعك لا تعرف ماذا تفعل.
لم يكتف الجنود الاسرائيليون بكل ما يسببه الغاز من أذى بل هم يعمدون إلى أن تصيب العبوة التي تحمل الغاز أحد الشبان، وأمام ناظري أصيب احدهم في ظهره وآخر في رأسه أسالت دمه على الفور.

للغاز قدرة على تشويش أي إنسان تماماً وفي الحال وربما تشل حركته بالكامل، لكن القواعد لم تفتأ تنكسر الواحدة تلو الأخرى في هذه الرحلة الغريبة، فذلك الشاب الذي كان يلبس الزي الرسمي للانتفاضة كان يحمل قنابل الغاز بعد سقوطها بثوان ويرفعها في وجه الجنود متحدياً.

أقرب نقطة تماس

بدت المائة متر بيني وبين المجموعة الصغيرة التي وصلت إلى أقرب نقطة مواجهة مع الجنود بجانب السلك الحدودي بعيدة جداً، عندما قررت الالتحاق لهم بدأ خوفي على "أمني الشخصي" يعيد على مسامعي كلمات رجل الأمن الذي قابلته في بداية الرحلة، تذكرت كلام الشاب عن المجندات والمناطق الحرجة التي اصابت فيها الشبان، فكرت ماذا افعل لو اصابني الغاز وأنا في تلك المنطقة القريبة، لكن فضولي وعهداً قطعته على نفسي دفعاني للذهاب دون تردد، وعندما وصلت بدأ الشبان بالتكبير وإلقاء الحجارة، ثم راحت الأمور تأخذ منحى أقل جدية، ووجدت أن هؤلاء الشبان بلغت بهم الشجاعة أن يلهوا بين يدين الموت، كانوا يغنون ويشتمون الجنود ويلقون الحجارة ويطلقون الألعاب النارية، وبينهم وبين الموقع الذي حدثت فيه واحدة من أكبر الاهانات للجيش الاسرائيلي أمتار معدودة (ناحل عوز)، ضحكت من أعماق قلبي على بعض تصرفاتهم الصبيانية تخيلت حصول أي شيء لكني لم أتخيل أني سأضحك في تلك النقطة.

لقد كانوا أحراراً تماماً لقد جسدوا روح الانتفاضة وبينوا لي معناها الذي أدركته عند أقرب نقطة تماس.

إن الانتفاضة هي الانحلال التام من كل أشكال الأمن وطنياً كان أو وقائياً، داخلياً أو خارجياً، حركياً أو شخصياً، منسقاً أو عبثياً من أجل لحظة واحدة يقف فيها شعب بملء إرادته عاري الصدر أعزل يلقي حجرا يعلم يقيناً أنه لن يؤذي العدو لكنه سيملأ القلب حرية.

إن الانتفاضة هي مطالبة بأمن كامل غير منقوص من أي جانب، أمن على المقدسات وأمن على الحياة وأمن غذائي وأمن اقتصادي من خلال التخلي عن كل أشكال الأمن وتحدي كل مفاهيمه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.