المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء الدين محمد سيف Headshot

حارةُ الشّرقيّة

تم النشر: تم التحديث:

في عالمِ الظُّلمِ والفيتو تسودُ الدُّولُ القويةُ، وتتنافس فيما بينها على ترتيباتِ الأمور، أما بقية الدول فهي إمّا المخطَّطُ لها أو عليها، ويخطئُ كثيراً من يظنُّ منها أنّه لاعبٌ رئيسيٌّ على ساحةِ السِّياسةِ الدُّوليَّة، بل كلُّ بقيةِ الدولِ قطعٌ على رقعةِ الشَّطرنجِ يحرَّكها اللاعبونَ كيفما شاءوا، هكذا يبدو الواقعُ جلياً لكلِّ من فتح عينيه أو كان له قلب.

فبعد اضطرامِ نارِ الأزمةِ المستمرَّة في البيتِ الخليجيِّ الذي أسفرَ عن مقاطعةِ بعضِ أعضاءِ دولِ الخليجِ وغيرها لقطر، انهمرتِ التَّحليلاتُ والتَّخميناتُ عن منشأ تلك الأزمةِ المعيبةِ وتفاصيلها كانهمار قطراتِ المطرِ بعد طول جدبٍ وصَحَر، فانقسم الناسُ على ثلاثةِ آراء؛ فقائلٌ: هي الجهالةُ والسَّخافةُ لا غرر، وقائلٌ: أمرٌ دُبّر في عشيٍّ أو سَحَر، وقائلٌ: كلُ الإساءةِ من قطر.

أمّا أنا فإنني لمَّا أعياني الذُّهولُ والحيرة من تسارعِ المتغيِّراتِ وتتابعِ المستجدات، سألتُ صديقي عن رأيه لعلِّي أعلمُ ما يدور، تَنَهَّدَ صديقي تنهُّدَ الحيرانِ حتى زادَ من حيرتي، ثم طفق يقول:

"يُحكى أنَّ أطفالَ حارةِ الشرقية كانوا يلعبون كلَّ يومٍ لعبتهم المفضّلة التي يطلقون عليها "سِياسة"، ولا تكادُ تنتهي لعبتهم تلك كل يومٍ إلا بخصامٍ أو عِراك، لكنّهم يعاودون اللَّعب في يومٍ تالٍ كأن لم يكن بالأمس خطبٌ أو حدث، وذلك أجمل ما تحمله الطفولهُ من براءةٍ في طيَّاتها.

وقد جرت سنةُ اللهِ أنَّ كلَّ عراكاتِ الصغارِ وخصوماتهم لها حبلٌ قصيرٌ سرعانَ ما ينقطع، مثل كذباتهم الطّفوليّة التي سرعان ما تقتلها براءَتُهم.

أما نحن الكبار فقد حُرمنا تلك البراءةَ التي حلّت محلّها مشاكلنا التي يدفعُ صغارنا أثمانَها ويحملون أوزارها.

عودةً إلى حارةِ الشرقية، فقد ظلَّ وئامهم ذاك سائداً بينهم حتى قَدمَ عليهم يوماً أحدُ الكبارِ من حارةٍ بعيدة، يعيِّرونه في حارته بغرابةِ شعرهِ البرتقاليِّ وفظاظةِ طبعه. ولمّا جاءهم لم تعجبْه لعبتهم تلك فأراد أن يغيِّرَ قوانينها، بل وزاد أن فرض على جميعهم أن يقاسموه مصروفهم، فرضخَ له الجميعُ إلا أحدَ الصّغار فإنّه رفضْ أن تُغيّر قوانين اللّعبة كما رفضَ تقاسمَ مصروفِه مع ذلك الكبير.

غضبَ الكبيرُ لذلك الأمرِ غضباً شديداً؛ لاستغرابه من وقفةِ الصّغيرِ أمام رغباته، ولأنه رأى أنه لا يليقُ بالكبار أن يجابهوا الصغارُ فقد قررَ أن يُأَلِّبَ عليه كل أصدقائه؛ لكي لا يشاركوه في اللعبة حتى يرضخَ لقوانينها الجديدةِ التي فرضها عليهم. طفق الصغارُ -راغبين وراهبين- يُلبُّون رغباتِ الكبير، بل ولم يكتفوا بمقاطعةِ قرينهم فحسب، بل واستعانوا عليه ببعض أصدقائهم من الحارات المجاورة حتى يكونوا ضمن المشاركين في تلك المقاطعة، لا لأنهم مشاركون في اللعبة بل لتكثيرِ السَّوادِ وإثارةِ الجلبة، بل إن بعض من شاركوا في المقاطعةِ لا يعرفون من قواعدِ الّلعبة غير اسمها.

وقد خرجَ كلّ هؤلاءِ الصّغار بقرارِ مقاطعةٍ تشملُ عدمَ السّماحِ للصَّغيرِ المتمرِّدِ أن يشاركَهم اللَّعب، أو يدخلَ الحاراتِ المجاورةِ حتى يعودَ عن تعنُّتهِ ويتوبَ عن تمرُّده"، انتهى كلام صديقي هنا وهو يتنهَّد تنهدَ الحسران.

أمّا أنا فقد زال عنّي بعضُ حيرتي وبدأتُ أفهمُ بعضَ تفاصيلِ ما يحدث، لم أشأ أن أسألَ صديقي عن توقّعه لِما يمكنُ أن يحدثَ بعد ذلك؛ لمعرفتي بصعوبةِ التّنبُّؤِ بما يمكنُ أن يُقدمَ عليه الصِّغار.

الوضعُ الرَّاهن إذاً كما كان في الأيّامِ الأخيرةِ في الأندلس قُبيل سقوطه؛ إذ تجزأتِ الدَّولةُ حتى صارت دويلاتٍ قزمة لا تملكُ أمرها ولا تقرِّرُ قرارها، وقد لا يكون من المصادفة أنها بلغت 22 دويلة.

وبرغم أن تلك الدويلات قد ورثت ثراءَ الخلافة، فقد جعل منها تناحرها المستمرُّ خاضعةً لعدوها، بل وصل الأمر إلى أن "ملوكَ الطوائف" كانوا يدفعون الجزيةَ للملك ألفونسو السادس، وكانوا يستعينون به على بعضهم. وما أشبه اليوم بالأمس!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.