المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء سنان Headshot

أغنية يناير

تم النشر: تم التحديث:

دوما كانت قصيدة "ليل يفيض من الجسد" لإله تساؤلاتي "محمود درويش" هي الأقرب لقلبي، أعدتُ قراءتها منذ اكتشفتها في مراهقتي عشرات المرات، وسمعتها بصوته ربما لمئات المرات وطالما أثار مطلعها كل أوجاعي..

ياسمين على ليل تمّوز، أغنيّةٌ
لغريبين يلتقيان على شارعٍ
لا يؤدّي إلى هدفٍ..

لا أعرف ما الذي حدث تحديداً لتطفو تلك القصيدة العاطفية على سطح انفعالاتي فجأة، بينما أقرأ خبراً مشؤوماً يفيد "اعتماد رئيس جمهورية مصر العربية عبد الفتاح السيسي، قراراً بتخصيص مساحة 103.22 فدان، ملكية خاصة لصالح وزارة الداخلية بدون مقابل، ونصّت المادة الأولى منه على استخدام الأراضي المخصصة في إنشاء سجن مركزي وملحقاته".

تساءلتُ عن سبب ربط عقلي بين القصيدة والخبر، هل لأن الخبر نُشر بالجريدة الرسمية في شهر يناير/كانون الثاني؟ يناير أغنية كل الغرباء، عندما كانت كل الشوارع لها رائحة الياسمين، وكانت كلها تؤدي لهدف.. وقتها -في يناير 2011- كان الهدف السراب أوضح وأقرب للأعين والأيادي من كل واقع ملموس نعرفه، نؤمن به كرب لم ولن نراه، لكننا موقنين وجوده، متأكدين من إنصافه وعدله، رغم كل ما يجري. الآن في يناير 2016 الواقع لم يعد ملموساً فحسب، بل بات خانقاً، وأغنيتي، أغنية يناير، أغنية كل الغرباء أصبحت كفيلة بأن تزج بنا في سجون جديدة، تُبنى لتبتلعنا بأغانينا وهتافنا وهدفنا لنترك الشوارع تخلو إلا من رؤوس محنية وأغان مبتورة وخطى تقودنا للاشيء.

وأهرع للقصيدة التي خيل لي في وقت ما أنها عاطفية، لأقرأ أبياتها وكأنني أقرأها لأول مرة. فأراها، شيماء الصباغ، تقف في نهاية الطريق تمسك بيد زياد بكير وتغني بصوت خافت ويبادلها الغناء:

يا حبيبي، لو كان لي
أن أكون صبيًّا.. لكنتك أنت..
ولو كان لي أن أكون فتاةً
لكنتك أنتِ!
وتبكي، كعادتها، عند عودتها
من سماءٍ نبيذيّة اللون: خذني
إلى بلدٍ، ليس لي طائرٌ أزرقٌ
فوق صفصافة يا غريب!
وتبكي، لتقطع غاباتها في الرحيل
الطويل إلى ذاتها: من أنا؟
من أنا بعد منفاك في جسدي؟
آه منّي، ومنك، ومن بلدي..

"محمود درويش"

تفلت شيماء يد زياد. وهكذا يترك "الشهيدان" وداعهما فوضويًّا، كرائحة الياسمين على ليل "يناير"، ويذهب كل منهما ليبحث عن أغنية جديدة في شوارع جديدة لا تعرف رائحة الدم، حتى وإن كانت بلا هدف.

وتقفز دموعي مجدداً لمنتصف القصيدة بسؤال أخص به إله السجن.

يا سيّدي، هل لدينا من العدل ما سوف يكفي ليجعلنا عادلين غدًا؟
كيف أُشفى من الياسمين غدًا؟

يقطع سؤالي بكائي، بيد أني أتابع أغنيتي.. أغنية يناير، وقت كانت كل الشوارع لها رائحة الياسمين وكل الشوارع كانت تؤدي لهدف، لن نتخلّى عنه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.