المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء مهنا Headshot

ماذا لو رحلوا؟!

تم النشر: تم التحديث:

تنظر إلى أمك خلْسةٍ بكلِ ندمٍ واستعطاف متمنياً لو أنك تعتذر عما بدر منك من سوء أدب معها، قائلاً: "يامّا أنا آسف سامحيني"، ولم يتسنَّ لك في عمرك إن أمسكت بيدها بحب وقبلتها، ولم تحاول أبداً أن تمسك جوالك لتتصل على خالتك المتزوجة في الخارج، والتي تحبها من كل قلبك لتطمئن على حالها وتخبرها كم أنت مشتاق لها، وكم فراقها يؤلمك، وتتمنى لو أنها تأتي الآن لتراها، ولا حتى استطعت تقبيل رأس أختك في يوم زفافها وقلت لها: "الله يسعدك ياختي".

ثم ماذا لو رحلوا دون عودة؟، ودون أن يعرفوا عن تلك العاطفة اللطيفة في قلبك؟، ودون أن تقول لهم إن جميع أوقاتك التي قضيتها معهم كانت من أجمل أيام حياتك؟
ستقضي حياتك كلها ندماً على عدم بوحك بمشاعرك المخزونة في قلبك اتجاههم، وستتمنى لو أن هناك كرةً واحدة لتراهم لمدةِ دقائق أو حتى ثوانٍ معدودات؛ لتقول لهم: "اشتقت لكم وفراقكم ما لاقيت أصعب منه".

فلقد انتهت حياتك تماماً عندما فارقوا الحياة، فأنت الآن عبارة عن جسم متحرك بلا روح تسكنه، بلا إحساس تشعره سوى ألم الفراق، فلقد ماتت بسمتك البراقة الجميلة، وتحول بيتك الكبير الأنيق إلى أشلاء باهتة ومظلمة تخنق أنفاسك من الذكرى المؤلمة، ذكرى الفراق الهالك، قلبك أصبح بين أحضان الظلام، فمن شدة حزنه حرم عينيه النوم، حرم عينيه حتى الدمع، وأنت تتمنى لو أن الدمع يسيل حتى ترتاح لو قليلاً من هم ملأ عليك حياتك، ولكن بلا فائدة.

وأصبح كل مكان ذهبت معهم إليه وكل شارع خطوت معهم عليه كسهمٍ ينخزك في صمامِ روحك، فتحاول أن تشرد من كل شيء قد يذكرك بهم، ولكن دون جدوى، فأنت تراهم في كل مكان حتى بين الكلمات العابرة في الطرقات، بين ضحكات الناس ودموعهم، فهم يلاحقون ظلك أينما ذهبت؛ لأنهم كانوا كل حياتك..

كان لي أستاذ رائع وأنا في المرحلة الثانوية في الأربعينات من العمر، ودائماً ما كان يحب أن يشاركنا خبراته وتجاربه في الحياة حتى لا نقع نحن في نفس أخطائه، فقال لنا في إحدى المرات: "الحاجة الوحيدة اللي بندم عليها في حياتي كلها إني ما قبلت إيد والدتي غير مرة وحدة بحياتي، ولما توفيت ندمت كتير وتمنيت لو الزمن يرجع حتى أقبل إيدها ليل نهار".

فلمَ تصل لمرحلة الندم من الأساس؟ اسأل نفسك لمَ لا تستطيع إخبارهم بكل ما لديك؟ أنا أعلم أنك تريد ولكن لا تستطيع شيئاً ما يجعلك تتراجع وقد يكون السبب في ذلك غالباً خوفك من الإحراج وتبقى تؤجل ما كنت تريد فعله لهم بقولك: "المرة الجاية بحكي"، "المرة الجاية بعتذر"، إلى حين أن تجد جميع المرات قد رحلت دون أي فرصة للقول.

ولمَ تحتاج كل هذا الجهد والعناء لكي تقبل يد والدتك؟، جرب أن تجعلها عادة جميلة لديك بأن تقبل يدها قبل ذهابك للجامعة أو العمل أو حتى قبل النوم، حينها سترى كم ستتحول علاقتك مع أمك إلى الأفضل وبشكل غير مألوف من قبل، وسيتفشى الحب بينكم، وستدوم علاقة جميلة تفتخر بها والدتك أمام الناس وسترويها إلى أولادك في المستقبل حتى يصبحوا مثلك لذلك أنت بحاجة لأن تقول لأن تعبر.

وعلى سبيل المثال إن كنت تحب والدك كثيراً ولم تخبره في حياتك أنك فعلاً تكنّ له كل هذا الحب، وبينكما فقط علاقة سطحية حاول أن تجعلها مثالية من خلال تغيير أسلوبك مع والدك، جرب مواجهته بأن تقول له كم تكنّ كل الاحترام والحب من أجله، وكم أن جلوسه على مائدة الطعام يشعرك بأنك تملك جنة الدنيا بأكملها.

قد يكون صعباً عليك في البداية أن تقول له كل ذلك وجهاً لوجه، حاول الاتصال به، وإن لم تستطع أيضاً حاول أن ترسل له رسالة عبر جوالك أو حسابك على فيسبوك، سترى كم سيحب والدك رسالتك وسيفرح بها كثيراً، وسيخبر العالم كله كم هو على علاقة رائعة مع ابنه، وكم أنت بار له، وستكون في عينيه دائماً كلؤلؤة لامعة، ولا تقتصر هذه الطريقة مع والديك فقط، بل مع جميع من تحبهم كزوجتك، أو صديقك، أو أخيك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.