المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء مـحمـد Headshot

البؤساء "1"

تم النشر: تم التحديث:

اعتلى لويس السادس عشر عرش فرنسا في عام 1774 خلفاً لوالده لويس الخامس عشر، ولم يرث لويس قيادة فرنسا فقط من والده، بل ورث منه أيضاً العداء المستميت ضد إنجلترا، وأحب أن يكمل ما بدأه أهله، وأن يضع اللمسة الخاصة به دون أن يسأل نفسه يوماً لِمَ العداء بيننا وبينهم؟
وفى تلك الأثناء ثارت المستعمرات الأميركية ضد إنجلترا ولم يفوت لويس السادس عشر تلك الفرصة، بل أبدى تأييده التام لاستقلال المستعمرات الأميركية، نكاية في عدوه اللدود إنجلترا، الأمر الذي أدى به في نهاية المطاف إلى إفلاس الخزانة الملكية نتيجة دعمه المطلق للثورة في المستعمرات الأميركية، الأمر الذي دفعه في النهاية إلى رفع الضرائب على الشعب بلا رحمة أو هوادة، مما أثقل كاهل الفرنسيين وبشدة جعلت حياتهم تكاد تساوي الجحيم.

ففي كتابه الاعتراف يحكي روسو عن محادثة دارت بين أحد النبلاء وماري أنطوانيت، زوجة لويس السادس عشر، مفادها أن الشعب لا يجد الخبز، فأجابت دعهم يأكلون كعكاً.. حتى وإن كانت تلك المقولة بغير شواهد لإثباتها، إلا أنها كانت تعبيراً صادقاً عن حالة الفرنسيين وقتها، ومما زاد الأمور سوءاً هو سوء المحاصيل الزراعية في عام 1788 والضرائب هي هي، والوضع هو هو في تلك الفترة، ولم يتنبه أحد لما يقاسيه الشعب، وكانت اللامبالاة هي سيد الموقف، لا يمكنك أبداً أن تكون لا مبالياً لإنسان على حافة الجوع، فبديهيات الحياة تخبرك أنه عندما يجوع الإنسان يثور، فمهما كانت قوتك لن تردعه، ولن ترده عن مبتغاه، فالجوع والموت واحد.

ولعل المكسب الوحيد الذي جناه الفرنسيون من دعم لويس السادس عشر لثورة المستعمرات ضد الإنجليز هي فكرة الثورة نفسها التي أججتها الظروف الاقتصادية الصعبة التي بلغت ذروتها في عام 1788، وبروز مفكرين جدد على الساحة، أمثال جان جاك روسو، ممن دعوا إلى إسقاط الملكية، وإقرار الجمهورية، ولي أن أخبرك أنها لو كانت جمهورية وأدت بهم إلى فراغ بطونهم لطالبوا بالملكية بدلاً عنها، فالأمر لم يكن أبداً رهين نظام سياسي، بل هو رهين نتائج ملموسة على أرض الواقع يحسها الفقير شبعاً في بطنه، قبل أن يراها شعاراً في وطنه، ولم تكن الثورة الفرنسية يوماً أو يومين، بل امتدت لأكثر من سنة، بدأت في مايو/أيار 1789 بانعقاد مؤتمر الجمعية الوطنية التي خرجت بعدة قرارات كان مضمونها يعني انهيار النظام القديم القائم على الملكية والإقطاع وتدشين مجتمع فرنسي جديد، مجتمع الحرية والمساواة والإخاء، وتوالت الخطوات الثورية أكثر وأكثر، مروراً بإعلان ميثاق لحقوق الإنسان واقتحام سجن الباستيل، وزحف النساء على قصر فرساي، وذلك بسبب اختفاء الخبز من الأسواق، وعاشت فرنسا سنين من الكر والفر، انتهت بإعدام لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت، وذلك في عام 1793، وانتهت أسطورة لويس السادس عشر، الرجل الذي قاد نفسه بنفسه إلى حد المقصلة، لسبب واحد فقط، وهو عدم الاهتمام بشعبه.

ومن البديهي جداً أنه بعد القضاء على لويس السادس عشر، تنتهي معاناة الشعب الذي ضحى بدمه فداء لوطنه، وللتخلص من الطاغية الذي حكمهم دون الاهتمام بهم، وكعادة الثورات دائماً يجني الثمار من لا يستحق، فكان المستفيد الأول من الثورة الفرنسية رجلاً يدعي ماكسميليان روبسبير، رجل تنويري من الدرجة الأولى، خطيب مفوه، ورجل من رجال الثورة، ولكن لا تعلم ما بالسلطة من سحر يحول الرجل النزيه إلى رجل آخر، فلقد عاشت فرنسا مع روبسبير عاماً أسوأ من عقود عاشتها مع لويس السادس عشر، سميت حقبة ولايته بعهد الإرهاب، ويقال إنه أعدم في ستة أسابيع فقط أكثر من ستة آلاف شخص، بدعوى أنهم أعداء الثورة، ويقال إن من أعدموا في عهده قرابة 16 ألف فرنسي، الأمر الذي أدى بدوره إلى إعدام روبسبير على نفس المقصلة التي سبقه إليها لويس السادس عشر في عام 1794، بعدما تآمر عليه من حوله، وحاولوا التخلص منه بشتى الطرق.

وكانت فرنسا أمام اثنين: أحدهما أُعدم لغبائه، والثاني لتطرفه وجنونه، وما بين غباء طرف وجنون الآخر، كان المجتمع الفرنسي يطحن طحناً في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وتزداد صعوبة على الرغم من قيامه بثورة، وعلى الرغم من إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية الفرنسية الأولى، فإن الأمور كانت فعلاً سيئة وتزداد سوءاً كل يوم، وفى خلال تلك الفترة برز اسم كبير وسط الفرنسيين، وهو نابليون بونابرت، كقائد كبير ورجل لا يشق له غبار، وتوحد الفرنسيون خلفه حتى نصب نفسه عليهم إمبراطوراً، ودارت الأيام وهزم، وتم نفيه إلى جزيرة القديسة هيلانة، وخلفه ابنه نابليون الثاني، ولم يمكث طويلاً؛ حيث أعيدت الملكية مرة أخرى على يد لويس الثامن عشر، فعلى الرغم مما قد قاساه الفرنسيون طيلة أربعين سنة سابقة، بدءاً من الثورة على لويس السادس عشر، فإن أمام كل ما قدموه من تضحيات فقط منعوا لويس السابع عشر من الحكم!

وتوالت السنون وخلف لويس الثامن عشر أخوه، وخلفه لويس فيليب الأول، وهكذا دارت الأيام بالفرنسيين حتى رجعوا إلى نفس النقطة الأولى من البداية، وكأن شيئاً لم يكن، ولكن ذلك في حسابات السياسة، لكن للمجتمع رأي آخر.

لعل ما كتبه فيكتور هوغو في رائعته البؤساء يعد تأريخاً للثورة الفرنسية، لكن من ناحية اجتماعية أكثر منها سياسية، ولذلك كانت لتلك المقدمة الأهمية بمكان، لفهم ما أشار إليه هوغو، وهو البعد الاجتماعي وسط الصراعات السياسية، وكيف تؤثر تلك الصراعات على المجتمع بصفة عامة، وعلى الأفراد بصفة خاصة، وهو ما سيتم سرده -بإذن الله تعالى- في الجزء الثاني من تلك المقالة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.