المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء مـحمـد Headshot

النهر "2"| معركة اورجندة

تم النشر: تم التحديث:

"جنكيز خان" نجح في اجتياح مملكتين من ممالك خوارزم؛ أولاهما بخارى، وثانيهما سمرقند، ومحمد بن خوارزم شاه فقد ولايتين مهمتين جداً بخارى وسمرقند، ولم يعد أمام التتار غير أورجندة، مقر الحكم، وهنا كانت المشورة، وأي مشورة قد يحتاجونها الآن، فهو لم يتحرك لنصرة أهله في بخارى ولا حتى في سمرقند هل سيتحرك الآن؟

ولعل تلك الدلالات لم تكن خافية على جنكيز خان، ولكن هناك شيئاً مهماً جداً ساعد في اتخاذ القرار لمحمد بن خوارزم شاه، وهو نهر جيحون الفاصل ما بين سمرقند وأورجندة، وكان القرار بالرضوخ ونسيان ما جرى في بخارى وسمرقند، وكأن شيئاً لم يكن، حتى وإن فكر التتار في غزوهم، فنهر جيحون مانع قوي يصب في مصلحتهم لا ضدهم، ولذلك لا حاجة للذعر أو الخوف على مستقبلهم، فهم في أمان مع النهر، فلِمَ عليهم أن يخافوا الآن التتار أبادوا بخارى وأهلها وحرقوا سمرقند بأهلها، لا داعي لأي قلق ما دمنا بعيدين عن الخطر، وانتهى اجتماعهم، وذهب كل إلى بيته قرير العين؛ ليهنأ بساعات من النوم؛ ليعاود الكرّة في الصباح إلى صباح آخر وآخر إلى أن توافيه المنية ويموت..

ولعل ما هرب منه في قرار أمس ملاقيه، فالموت قادم لا يؤخره أحد ولا يقدمه أحد، ولعل قائد التتار كان يقرأ أفكارهم، فكان قراره بأن لا يبيتوا الليل في سمرقند؛ بل أن يخوضوا الليل كله في طريقهم إلى أورجندة، وبالفعل فلقد خاض التتار نهر جيحون ووضعوا أسلحتهم في صناديق خشبية كبيرة واجتروا خلفهم جيادهم، ولو أن فرقة صغيرة على نهر جيحون ساهرة يومها لصدت هجوم التتار ولأفنتهم وهم في البحر، ولكن سُنة الله في أرضه أن يرى كل متخاذل حقيقة أفعاله في نفسه، وأن يوفى كل عامل أجره، فلقد خاضوا البحر ليلاً ووصلوا مع اقتناع تام من قادة التتار أن من في مقر الحكم لن يقاتلوهم؛ لانهم حتى وإن كانت في عروقهم دماء لتحركوا بعد ما حدث في بخارى أو سمرقند.

ولكنهم عرفوا من أي طينة هم حكام تلك البلاد، ولذا لم يترددوا لحظة في اجتياح النهر واجتيازه، ولم تكن إلا ساعات وكان التتار على أبواب أورجندة؛ لينهض محمد بن خوارزم شاه مفزوعاً من نومه، وسط تعالي أصوات الطَّرق على الباب، وتوقفت الكلمات في حلق محمد بن خوارزم شاه، عندما فتح الباب؛ ليرى الكل يهرول من حوله في منظر مرعب يوحي بشيء خطير، لم يكن في حاجة إلى سؤال ليعرف أن التتار وصلوا إلى أورجندة، بل كان الجواب ظاهراً في أعين كل من حوله، ولم ينطق محمد بن خوارزم بكلمة واحدة، بل انطلق يعدو نحو أعلى القصر.

كانت ألسنة اللهب تتطاير في كل مكان، والكل يجري رعباً من التتار الذين اجتازوا بالفعل أسوار المدينة، وكانت المدينة الساهرة بالأمس في صخب قانعة برأيها في أن ترضى بما حدث لإخوانهم في بخارى وسمرقند، هي هي من تحترق الآن على يد نفس الجاني، الذي ما زال طليقاً، واختاروا هم العيش بجواره، ونسوا أو تناسوا أن من يفعل ذلك مرة لا يضيره فعله للمرة الألف، فالسلب والنهب والقتل والتشريد وكل ما لم يعرفه بشر من قبل فعلوه في أورجندة، كما كان في سمرقند وبخارى، وما زال ملك مملكة خوارزم في حيرة من أمره، فهو ترك أمر بخارى لأهلها، بحجة أن هذا شأنهم، وترك أمر سمرقند بحجة أنهم بجوار بخارى، والجار يؤخذ بذنب جاره، ولكن ما عساه أن يفعل الآن.

هنا انتفض المارد الذي يكمن بداخله؛ ليخبره أن قراره الأول وقراره الثاني لم يكونا إلا حفاظاً على حياته، وخوفاً من الموت، فلا يتعب حاله في التفكير كثيراً، ولينجُ بنفسه، وكان الفرار قراره ممَّن؟ من الموت؟ ألم يتعلم هذا الملك الذي كان مثالاً في الورع والعلم أن الموت بيد الله -سبحانه وتعالى- ملاقيه ملاقيه، مم يخاف؟ ومن ماذا يهرب؟ إنه ملاقيك لِم لا تثبت وتحاول تصحيح المسار.

كانت قدما محمد بن خوارزم وقتها أسرع من الرياح، وهرب من مخرج بعيد عن أنظار التتار وسط وجود قارب صغير على أطراف نهر جيحون اقتاده بنفسه إلى أن وصل إلى قلعة نائية استقر بها في فقر مدقع، رضي به في سبيل أن يحيا تاركا وراءه ملكه وأهله، بالفعل ترك أهله وزوجه وكل ما يملك، أمضى ليلته يرتعد مما حدث، وأمضى ليلة أخرى هانئاً بقراره بالفرار بائساً في عيشه، ولكنه قانع لأنه ما زال حياً وليلة أخرى تمر وليلة أخرى تمر، وليلة أخرى يفاجئه ما هرب منه محمد بن خوارزم شاه، ويموت في تلك القلعة التي هرب إليها من الموت الذي وإن كان صمد لمات في موعده، وفي مكانه، فالموت لا يؤخره جبن ولا تقدمه شجاعة، مات محمد بن خوارزم شاه وسط لعنات النهر الذي فر من خلاله تاركاً وراءه كل هذا الدمار، متخاذلاً لأجل دنيا ذائلة، ولم تنتهِ حكاية النهر بعد، بل هناك في بلاد المسلمين بخارى أخرى وسمرقند أخرى، فرضوخنا وسكوتنا عما يحدث بحلب وبالموصل وبكل بقاع المسلمين لن يوصلنا إلا إلى نفس المآل، وكلما سقطت مدينة من بلادنا، كنا أقرب إلى السقوط أيضا، ففي التاريخ عبرة؛ إما أن نعتبر بها وإما أن نكون نحن العِبرة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.