المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء غنيم Headshot

لحظاتي مع وجبات إفطاري.. حديث بعيد عن بؤس العالم المجنون

تم النشر: تم التحديث:

هذا العالم مجنون، أعرف هذا، وفي كل صباح جديد تزداد مصائب العالم مصيبة جديدة، ومتميزة بالقطع، ونحن نضيع ضمن السباق البشري المحموم نحو السلطة والهوية والهيمنة، نتوقف أحياناً؛ لنهدأ، نلتقط أنفاسنا.

بالنسبة لي وقت طعام الإفطار يفعل هذا، يوم بدون إفطار هو يوم سيئ بلا ريب، الإفطار هو لحظة السكينة التي أتشبث بها، وقت قصير يجعل اليوم أفضل، اليوم سأتحدث عن أفضل وجبات إفطار حظيت بها في حياتي، منها الذي لم يتكرر ومنها ما كان دواماً يومياً لفترات طويلة، حديث قصير يفصلنا عن بؤس العالم.

• إفطار الجمعة.. حساء الأرز.. عندما كنت طفلة كانت أمي تصنع حساء عجيباً في صباحات العطلة الباردة أيام الشتاء، تنقل الوصفة عن جدتي، حليب كامل الدسم، ممتلئ بالقشدة والنكهات العظيمة، وأرز مسلوق، ومكرونة مسلوقة، وملح.. فقط! الحساء الذي كان يثير الملل يستطيع الآن إعادتي إلى البيت القديم، وإلى البراءة الآسرة، وإلى الشتاء، رائحته ودفئه يفعلان هذا.

• البيض البلدي المسلوق مع ملح وفلفل أسود مجروش وخبز رقيق، والحليب البارد في صباحات اختبارات الصيف البعيدة، كنت وما زلت في الحقيقة لا أحبذ البيض المسلوق أبداً، ولا أعتبره طعاماً حقيقياً، لكن هذا البيض الصغير الساخن لم يكن مفتعلاً، صفار البيض للتو قد تجمد، لم يكتس بعد بالخضار الكريه الذي يحيط بصفار البيض عادة، حسناً.. كان متعة صغيرة تكفي للذهاب للاختبار بعقل صافٍ وقلب ممتلئ.

• بيض مقلي مع صلصة مكسيكية حارة وقهوة، عندما بدأت القراءة عن المطابخ والأسس المكونة لها استهوتني وصفة ظريفة للغاية عن إفطار مكسيكي، بيض مقلي مغمور بالصلصة الحارة، كان الأمر يستلزم شجاعة التجربة، أومليت بيض معتاد، تقليبة سريعة على كل جانب.. ثم يا إلهي! رائحة الطماطم والفلفل الحار وهي تنسكب على البيض الساخن.. تشعر أنك جزء من هذا العالم الجميل الموازي للعالم السيئ الذي تحدثنا عنه سابقاً.

• تميس وفول في صباح الخميس في مكة المكرمة.. بعد العودة من صلاة الفجر.. التميس خبز أفغاني المنشأ.. ليست إشكاليته في العجين، بقدر تأثير الفرن الذي يتم فيه إنضاج العجين، الفرن الذي يورث الخبز رائحة النار ودفئها.. رائحة تذهب بك إذا كنت مهتماً لقرية بعيدة في قندهار.. تجلس إلى جوار جدة أفغانية وتتذوق الحنين! خبز التميس يفعل هذا، مع كأس من لبن المراعي تصبح الحياة لا بأس بها.

• شطيرة جبنة بيضاء مع الطماطم والزعتر ورشة ملح صغيرة جداً.. مع الشاي بالميرمية.. حسناً.. في أيام الشتاء يلزمك الكثير للاستيقاظ والتأمل في أسباب وجودك في هذا العالم خارج الفراش الدافئ.. هذا المزيج يجلب الطمأنينة.. تفكر في البقرة اللطيفة التي أهدتك هذه الجبنة اللذيذة.. والأرض التي زرعت فيها الطماطم.. والزعتر المجفف.. والميرمية التي قطعت رحلة طويلة في الطريق إليك، لكنها ليست رحلة أطول من رحلة الشاي.. يتقاطع العالم لمنحك بهجة صباحية صغيرة..

• شطيرة خبز التوست مع اللبنة والرومي المدخن.. حسناً.. لست من أتباع نظرية الزبدة والمربى المخلصين.. المكان الأفضل للزبدة هو سطح التوست ونحن نحمصه.. نضع بعض اللبنة مع الزعتر الطازج المفروم.. أو الثوم والبقدونس.. ثم شرائح الرومي.. وزيتون أخضر.. مع كوب من القهوة بدون سكر.. بداية لذيذة تكفي لتمضية بقية اليوم وأنت تشعر أنه لا بأس.. ما علينا من بأس.

• فتة مصرية بصلصة الخل والثوم.. واللحم المحمر.. والخبز الذي به بقية من قرمشة مع نكهة الثوم التي علقت به إثر تحميصه مع كمية وافرة من السمن.. في الواقع يبدو هذا كأنه إفطار العيد.. وهو إفطار العيد الكبير بالفعل، لكن أحياناً يطيب لك اللحم الذي أحضرته من عند الجزار، فتستغل طيب نفسك وتسلقه صباحاً مع القرنفل وورق الغار والبصل المقطع.. يصلح هذا لأيام الجمع الرائقة.

• رقاق باللحم المفروم.. تشرب أثناء إعداده بحساء البط السمين.. اعتدت على تناوله صبيحة عيد الفطر لسنوات في بيت والدة صديقتنا العامر.. نعود من الصلاة لنتناول أجمل رقاق في العالم، الطريقة التي مزج بها اللحم مع البصل والبهارات، والتوازن بين العجين والحشو، والقرمشة الخفيفة بالأعلى، كانت تجلب العيد في موعده حقاً!

• وأخيراً كان أفضل إفطار حظيت به في حياتي، شاي مع الحبق في كوب ورقي وبسكويت ديمة على كرسي انتظار في مستشفى منى العام في الحج منذ عدة أعوام، وسط الزحام والعناء والمشقة، وانقلاب اتزان الليل والنهار.. والجهد الجسدي المضاعف، تجلس لدقائق في السابعة صباحاً؛ لتحظى بلحظة السكينة التي يحققها الإفطار.. الشعور بأن بشريتك تتجدد، وأنك تدلل نفسك قليلاً، تدليل بسيط يكفي لتكمل الدوران في المحاور التي لا تنتهي!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.