المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

الزيكا وحرية أجسادهن

تم النشر: تم التحديث:

على مدار الأسابيع الماضية، تناقلت وسائل الإعلام الإلكترونية والمسموعة والمقروءة أخبارا عن فيروس الزيكا، الذي ينتشر ويتوغل في أغلب بقاع الكرة الأرضية، مُعلنين أنها فقط مسألة وقت لينتشر فيها كلها، مع عدم اكتشاف أي وسائل لعلاجه بعد، وفشل وسائل الوقاية.

ومع هذا الانتشار المرعب، واستهداف الفيروس للنساء الحوامل وأجنتهن تحديداً، وتشكيله خطراً بالغاً على صحتهن دوناً عن غيرهن، تعالت صيحات المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة "زيد رعد الحسين"، للمطالبة بدعم حق النساء في الإجهاض، وتغيير القوانين التي تجرم إنهاء الحمل، قائلاً على لسان "سيسيل بويلى" المتحدثة باسمه "إنه يجب أن تُغيّر الدول التي تجرم الإجهاض تلك القوانين، وأن تعمل على نشر التوعية بالصحية الجنسية والإنجابية، وإلا فكيف يمكنها أن تطلب من النساء منع الحمل؟ إنها حتى لا توفر لهن المعلومات الأولية المتاحة ولا إمكانية إنهاء حملهن إن أردن ذلك".

ومع التكهنات الكثيرة وضرب الأرقام والإحصائيات المُفزعة التي وصلت إلى حد 600 ألف حالة في دولة واحدة، ومع الإشارة إلى أن مصر دولة مناخها وظروفها المعيشية تُعد بيئة خصبة لهذا الفيروس، كان لي وقفة، حيث جمع عقلي كل هذه المعطيات، وعالجها بشكل حيادي، فرغم علمي بإباحة الإجهاض شرعاً وقانوناً إذا ما تعارض الحمل مع صحة المرأة، إلا أن التفكير بمنظور أبعد، أنتج تساؤلا تعبت في الوصول لإجابته: هل يُسمح للمصريات بالإجهاض حتى وإن لم يكنّ مريضات بالزيكا؟

ضحكت من نفسي كثيراً، لأنني على علم تام بنظرة المصريين للإجهاض، بل بنظرتهم لتحديد النسل حتى، فهم يؤمنون بحرمانيته ويعتنقون مثل "العيال بتيجي برزقها"، وهو أوصلنا للتكدس السكاني وتآكل الموارد الاقتصادية وتلوث البيئة الذي نعيش فيه.والجدال هنا بالنسبة لي، ليس في تحريم الإجهاض أو تحليله، بل في تجريمه مجتمعياً إن لم يوجد له عذر شرعي.

إذا نظرنا له من واقع الحلال والحرام، فجميعنا نؤمن بأن الله رحيم، لا يأخذ الناس بذنوب غيرهم، فإن أجهضت امرأة جنينها هي وحدها من ستُحاسب على ذلك أمام المولى عز وجل، وإذا اعتنق المُطالبون بتحريم الإجهاض حديث رسولنا الكريم "من رأى منكم منكراً فليغيره" فما عليهم إلا النصح، ليعود لها الحق وحدها في النهاية في إتيان الفعل أو الامتناع عنه، ولتصبح هي الوحيدة الجديرة باتخاذ مثل هذا القرار الصعب، لكن لنحاول هنا أن نجرد الأشياء من حكمنا عليها بالحلال والحرام، ولننحِ الدين جانباً، لنحكم على الأشياء ولو لمرة بالصواب والخطأ.

ينظر أغلب الرجال في مجتمعنا إلى المرأة التي تريد أن تجهض جنينها على أنها عاهرة، وأكم من القصص والحكايات التي تتداولها النساء فيما بينهن عن نظرة الأطباء -الرجال تحديداً- إلى من تريد إجراء عملية الإجهاض حتى ولو كانت متزوجة، وحتى لو لا تسمح لها ظروفها الصحية بإكمال حملها، تظل في نظرهم عاهرة، قاتلة، يأكلونها بأعينهم ويجردونها من شرفها إلى أن تبرز وثيقة زواجها، ثم يجردونها من إنسانيتها وأمومتها حتى تخطو قدماها خارج عياداتهم.

لا أعرف حقاً ما الذي يضير أغلب الرجال في أن تجهض امرأة جنينها، بغض النظر عن دافعها لهذا الإجهاض -سواء كان الحمل جراء اغتصاب أو تشوه الجنين أو سوء صحة الأم أو زواج غير شرعي أو مجرد عدم الرغبة في الأمومة- ولمَ يصرون على إبداء آرائهم في شيء لا أظن أنه يخصهم من الأساس؟ إلا لو كانوا آباء لهذا الجنين وعلى أتم استعداد لمشاركة أمه المسئولية، وإلا فما سر تنصيبهم لأنفسهم حكاماً؟ فلا هم سيتحملون ذنبها كما سبق أن ذكرنا، ولا هم سيربونه لها أو حتى يشاركونها أعباء تربيته مادياً ومعنوياً، ولن يتأثروا صحياً وجسدياً ونفسياً وعملياً بهذا الجنين، لن يحملوا في طفل لمدة 9 أشهر كاملة، لن يلدوه، ولن يصيبهم اكتئاب ما بعد الولادة، فعلى أي أساس يرفضون أو يجرمون أو يحرمون؟! على أي أساس يتهمون امرأة أجهضت حملها بالعُهر والزندقة؟ فهم على أية حال لا يتهمون الرجل الذي يتنصل من أبنائه ويرفض بنوتهم بهذا، لتصبح الـ"أقسم بالله ما ولادي" الخاصة بالممثل أحمد عز أسلوب حياة يتبعه أغلب الرجال الشرقيين، أليس هذا يُعد إجهاضاً للأطفال أيضاً؟ في مجتمع يرفض شكل حياة الأم العزباء ويقف إلى جانب الرجل في أغلب قوانينه الوضعية ليجعل الأطفال مجهولي النسب والهوية، وإذا منّ عليهم بحقوقهم تلك، لا يجعلهم ينسون "أصلهم" ما عاشوا، فيظل لقب "ابن/بنت العاهرة" لصيقاً بهم أبد الدهر.

إذاً ما يحكمنا هنا هو عرف المجتمع، الذي يصبح في كثير من الأحيان أقوى من الدين والقانون، بل وقادر على تشكيلهما حسب أهوائه، فهجوم أغلب الرجال الرافضين للإجهاض القابلين في الوقت ذاته تنصل الآباء من مسئولياتهم، مُلقين في هذا وذاك بالعُهر على المرأة، لا يصبح من باب الدين أو الإنسانية، وإنما من أجل التحكم فحسب!

الدفاع هنا ليس دفاعاً عن حقوق الطفل أو عن حرمانية الفعل، بل هو دفاع عن مكتسبات الرجل في السماح بالأشياء ومنعها رغم إنها لا تعنيه من الأساس.

للأسف إن أغلب المدافعين عن حق المرأة في الاجهاض في مصر، يتحاشون الصدام مع المجتمع بعض الشيء، فيتبعون سياسة المهادنة وتكتيكات السلامة، فيتعللون بالصحة الإنجابية، ويطالبون بـ"السماح" للمرأة بالإجهاض كما هو منصوص عليه قانوناً، أي عندما يشكل الحمل أحيانا خطورة على صحتها أو صحة الجنين، رغم يقينهم بأن المجتمع لن يسمح بهذا حتى وإن وُجِد العذر الشرعي والقانوني، خمنوا ماذا؟ لا يمكنك أن "تسمح" أو "تمنع" ما هو ليس من حقك أن تقرره أساساً، فحتى لو لم يوجد عذر له، للمرأة وحدها حق القرار.

إن المرأة هي الوحيدة المخولة والمنوطة والجديرة باتخاذ مثل هذا القرار الشاق، وهي الوحيدة القادرة على تحديد ما هو الأنسب لمصلحتها، فجسدها ملك لها وحدها، لا سلطة عليه إلا لها، وهي ليست بكائن ناقص أو عديم الأهلية، وهي التي ستتحمل نتائج قرارها وحدها، وسواء شاء المجتمع أم أبى مثل هذه العمليات تحدث يومياً، لكن في الخفاء وفي عيادات نطلق عليها كمصريين مصطلح "تحت بير السلم"، تتكلف الكثير من الأموال وتودي بحياة الكثيرات نظراً لسوء تجهيزاتها الطبية، لكن ليس هذا المهم، المهم ألا يعرف أحد بما يجري، لتظل المرأة في أعينهم ومن وجهة نظرهم عفيفة طاهرة.

لربما يغير فيروس الزيكا نظرة المجتمع المصري للإجهاض، لربما يكون سبباً في أن تنتزع المرأة حقها في القرار، لربما شر البلية هو خيرها!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.