المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء أحمد الكسباني Headshot

مسؤولية الأعمال المنزلية.. والـ"استنطاع" الذي يجب أن يتوقف!

تم النشر: تم التحديث:

هل النظافة "للنساء فقط"؟!
ولماذا لا يتعاون الرجال والنساء في "التنظيف"؟!
ليس الشاي فحسب.. "التنظيف" أيضا ليس مسؤولية المرأة وحدها
ليس الشاي وحده.. على الرجل أن يشارك في "التنظيف" أيضا
حتى إعلانات أدوات النظافة ذكورية المزاج!
حتى إعلانات أدوات النظافة تميز ضد المرأة!


كنت أقف في "السوبر ماركت" المزدحم جداً، أسير وراء الجموع الكبيرة باحثةً عن رف معطرات الهواء، التفت يمنة ويسرة لعلني أجدها هنا أو هناك، بعد أن غيروا الأماكن وأعادوا ترتيب ديكور المكان ووضعوني في موضع المشترية التي تأتي للمكان لأول مرة، تسير في حيرة من أمرها ولا تعرف إلى أين تذهب، إلى أن لمحته مصادفةً على مقربة أخيراً بعد أن آلمتني قدماي من السير!

رأيت مئات الآلاف من الأنواع التي لم أكن أعرفها، فقد كنت معتادة على نوع بعينه، لكن لم يكن موجوداً، ظللت أقلّب ما بين الأنواع واقرأ مكوناتها على ظهر العُلبة، لكن ما لفت نظري فعلاً، ليس مكونات الروائح العطرة بالزهر والياسمين والقرنفل ونسيم الصباح وعبير الربيع، وإنما المعلومات المكتوبة عن كيفية الاستخدام، باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، حيث تتحدث اللغتين بصيغة عامة دون تحديد توجيه الكلمات للذكور أو الإناث، في حين تخصص العربية خطابها للأنثى، قائلةً: "رشي المعطر في الأجواء واحرصي على توجيه زاويته لأعلى من أجل أن يصبح منزلكِ قطعة من البلدان الاستوائية".

وحقيقةً، لم أعرف ما السر في توجيه الخطاب للأنثى العربية دون غيرها! فهل استخدام المعطر حكر على المرأة فقط؟ ولهذا السؤال احتمالان: فإما أن الرجال معصومون من الروائح الكريهة، وإما أنهم يستحبون العيش فيها، ففي هاتين الحالتين فحسب، يصبح استخدام المعطر حكراً على النساء، وتصبح الصيغة المكتوبة بالعربية على العُلبة مُبَرَرة!

دفعني ما حدث إلى التفكير في الأمر، والبحث خلفه بشكل أوسع، لأجد أن أغلب الإعلانات التليفزيونية عن المنظفات والأعمال والواجبات والأجهزة المنزلية العربية تتمحور بشكل أساسي حول المرأة وحدها، تُوَجَه إليها بنوع خطابي آمر، يضع عليها كل المسؤوليات والأعمال المنزلية؛ بل وتصل به البجاحة إلى حد اعتبارها جزءاً مُكمِلاً ومُكَوِناً لأنوثتها، لن تستطيع من دونه أن تكون امرأة كاملة.

ومن ثم لن تكون أهلاً وكفئاً للزواج، لدرجة أن تقوم إحدى شركات المساحيق في نسخها العربية كافة -السعودية والمغربية والمصرية- بإعلان تخاطب فيه أمٌّ ابنتها قائلةً "اتظنين أنك ستتزوجين وأنت لا تعرفين كيف تغسلين ملابسك؟! اتركي ما تفعلينه من يدك وتعالي معي لأعلمك ما الذي يجب فعله..."، في حين تقوم بإعلان في نسخته الأجنبية تخاطب فيه الأسرة بأكلمها، حيث يظهر الأب والأم والأطفال متعاونين يقومون باستخدام المسحوق؛ لأنه الأكثر قدرة على التنظيف!

نعم، يتعامل الخطاب الإعلاني لشركة الأجهزة المنزلية والمنظفات مع المرأة باعتبارها المسؤول الوحيد عن نظافة المنزل، وأن واجب الاعتناء بالصحة والنظافة والاضطلاع بالأعمال والمسؤوليات هو شيء مفروض عليها وحدها، فمن أجل صحة أطفالها يجب أن تستخدم هذا المنظف، ومن أجل أن تتزوج يجب أن تعرف كيف تغسل الملابس، ومن أجل أن تشعر بالسعادة يجب أن تحرص على رش منزلها بذاك المعطر.

ومن أجل راحتها البدنية يجب أن تشتري الغسالة ذات الفتحة الواسعة من فوق، ومن أجل أن تكون الحياة أسهل عليها يجب أن تقوم بالطبخ بهذه المرقة، وأن تضع الأطباق المتسخة في هذا النوع من غسالة الأطباق، وألا تسمح للأتربة أو الحشرات أن تغزو بيتها بهذا أو ذلك، هي، هي، هي، هي..

هي فحسب، أما باقي ساكني هذا المنزل، فتقريباً يعيشون فيه باعتباره فندقاً، يأتون إليه وهو نظيف مرتَّب حسن المظهر والرائحة ليأكلوا ويناموا، ومع ذلك لا يدفعون ثمن خدماتهم، وهذا ليس بخطأ الخطاب الإعلاني ألبتة، الذي يتعامل مع تسويق المنتجات نفسها خارج إطار الوطن العربي بشكل مختلف كلياً، حيث يخاطب الأسرة كلها باعتبار كل أفرادها مسؤولين عن نظافة وجودة منزلهم.

إنما هو خطأ الثقافة العربية التي رسخت في الأذهان أن المسؤولية المنزلية تقع على عاتق المرأة وحدها، وأنها الشخص الوحيد المنوط به الاضطلاع بها، بما خلق جيلاً كاملاً من الرجال الأنطاع، الذين يعتمدون بشكل أساسي على أمهاتهم وأخواتهم في التنظيف خلفهم، ولا يقومون بمساعدتهم في شيء، لينتقلوا بعد ذلك إلى منزل الزوجية، منتظرين من زوجاتهم أن يضطلعوا بكل الأنشطة المنزلية دون أي مساعدة، لتتوارث الأجيال هذه الظاهرة البغيضة، وليرتبط جنس المرأة وأنوثتها بأعمال المنزل فحسب، ليصبح شيئاً في كينونتها، وليتم تعريف دورها الاجتماعي به، مع أنه من حقها أن يخرج دورها عن هذا، ومن حقها أن تنظر خارج بوتقته، لترى نفسها أيضاً في المرآة، وتهتم بتحقيق ذاتها داخل منزلها وخارجه.

لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل إنه قد تم اعتبار الظاهرة شيئاً مسلَّماً به، لدرجة أنه حين خرجت إحدى الفتيات لتصُرِّح في منشور لها على فيسبوك بأن الأعمال المنزلية ليست فرضاً من الله على المرأة، وأنه يتوجب على الرجال مساعدة زوجاتهم فيها، تم سبُّها وقذفها بشتائم يندى لها الجبين، خاضت في عرضها وشرفها، والتي كان أغلبها من رجال طبعاً، فقط لأنها قالت إن من حق المرأة أن تحصل على العون في هذا المنزل الذي يُعد بمثابة مؤسسة مشتركة بينها وبين زوجها، وإن الدين لم يفرض عليها أن تعمل فيه ليل نهار متناسيةً نفسها.

وهو شيء يدعو للتأمل فعلاً، فأن يصل الأمر إلى حد سبِّ من تدافع عن حقها في أن يكون لها حياة خارج الطبخ والغسيل والكنس والتنظيف، وأن دورها كامرأة لا يتوقف على هذا، وأنها يجب أن تحصل على العون الكافي من زوجها، العون الذي يمكّنها من تحقيق ذاتها والاعتناء بمهنتها والترويح عن نفسها، كما يتاح له أن يروّح عن نفسه وأن يخرج مع أصدقائه وأن يباشر عمله.

ولن يأتي الأمر إلا بالتوازن، فتقسيم الأعباء المنزلية والاعتناء بالأطفال مسؤولية الزوجين، وتقسيمها عليهما يتيح لهما سبيلاً للراحة ولحياة زوجية سعيدة، ويحفظ للمرأة مكانتها وقدرتها على الارتقاء والإبداع والنجاح، ويعلِّم الرجل ألا يكون عالة على غيره، ولهذا، يجب أن يتغير المجتمع، وأن ينتهي هذا الخطاب الإعلاني الظالم، وأن يتوقف هذا "الاستنطاع" غير المبرَّر أو المفهوم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.