المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

إنها قصة مضحكة نوعاً ما!

تم النشر: تم التحديث:

عندما أقع في غرام فيلم أشاهده للمرة الأولى، أشعر أنه قد أُضيف لي في الحياة شيء جديد، وأنه لا يزال أمامي الكثير لأتعلمه من خلال الأفلام الجيدة.

نعم، يعلموننا منذ الصغر أنك تجد كل الخبرة التي تبحث عنها -أو أغلبها- فى الكتب، وأن المعرفة تكمن في القراءة المتأنية للإنسانية وعلومها الكثيرة، لكنهم لا يخبروننا أن مشاهدة فيلم جيد تعادل آلاف القراءات، وأن السينما لا تنضب أبداً في ابتداع طرقها الجديدة والملتوية لتعلمنا المزيد، فهي تقتحمنا دون أن نشعر، تنسرب إلينا برقة وتحتل وجداننا، وتلمس أدق وأبسط الأشياء وأكثرها سطحية فينا، كما تطرق على الأشياء العميقة الجامدة القابعة في أعماقنا التي نهرب منها كما يُطرق على الحديد الساخن، وهذا هو ما حدث لي عندما شاهدت هذا الفيلم بمحض الصدفة، كرسالة سماوية وضعها القدر على دربي في أوج فترة الاكتئاب التي أمر بها، وكأنما يربت على قلبي قائلاً: "لا بأس ببعض الحزن، فإنا مُتخطينه مهما طال أمده بنا".

"كريج" مراهق لطيف، يعاني من ضغط المحيطين به عليه في كل شيء في حياته اليومية، ويحوله هذا الضغط بالتدريج إلى شخص لديه اكتئاب حاد يدفعه إلى محاولة الانتحار، ليقوم والداه بإلحاقه بمصحة نفسية لمدة أسبوع.

يتعلم "كريج" الكثير في أسبوع واحد فقط من خلال اختلاطه بأناس مختلفين، ومختلين بعض الشيء، فهو يلتقي بـ"مقتدى"، زميله في الغرفة الذي لا يشعر بالرغبة في مغادرة غرفته كل صباح، بل ليس لديه القدرة الكافية على مغادرة سريره حتى، ويقابل "بوبي" الذي حاول الانتحار ست مرات، والذي سيصير في غضون يومين من أقرب أصدقائه، والفتاة الرقيقة "نويل".

يمتلئ الفيلم بالتفاصيل الإنسانية البسيطة التي تجعلك تقف لتتأملها بابتسامة واسعة على ثغرك، فهو ينفذ إلى القلب والروح مباشرة، يأخذك في رحلة مع "كريج" لمكاشفة نفسك، يضعك أمام حقيقتك التي تخجل منها أو تواريها؛ لأنك لا ترغب لأحد أن يرى ضعفك، فيخبرك أننا جميعاً مرضى بدرجات متفاوتة، وأن الأصحاء فقط هم من يحاولون عدم تفريغ آثار أمراضهم النفسية على غيرهم، كما أنهم لا يحاولون إخفاءها، بل يتقبلونها ويتقبلون أنفسهم من أجل أن ينعموا بسلام نفسي.

جعلني "كريج" أدرك أن الاكتئاب ليس رفاهية أو هروباً من الواقع والمسؤوليات، وأن من يسخرون منه أو من يقللون من شأن المصابين به أغبياء، علمني أنه لا يجب أن أشعر بأنه يتوجب علي أن أكون عند حسن ظن الكل طوال الوقت، فمن حقي أن أخالف توقعاتهم، أن أكون نفسي فحسب، وألا أتبارى مع قواعدهم المزيفة عن المثالية.

نبهنى إلى أنه ليس من السيئ دائماً أن نخرق قوانين المجتمع الضاغطة، بل هو شيء مطلوب في كثير من الأحيان بشرط ألا نسبب الضرر لأحد، فالقوانين تجعلنا متشابهين، نسير في قطيع واحد ونحوم حول الشيء نفسه دون فائدة، فبعض الناس خُلِقوا ليكونوا مختلفين، ولا يسعهم إلا أن يكونوا هكذا مهما حاولوا التشبه بمن حولهم لإرضائهم أو لمحاولة البحث عن رضا الذات، فهم لن يرضوا عن أنفسهم إلا إذا تقبلوا حقيقة اختلافهم.

علمني أنه يمكنني أن أحب شخصاً فى حالة نفسية مزرية، وأن يحبني أحدهم بالمقابل برغم الفوضى النفسية التى تملأني، علمني أن القدرة على عدم إخفاء المشاكل والاعتراف بأنه ثمة خطباً ما بي هو أعظم أنواع الشجاعة وربما أسماها، وأنه لا يتوجب أن أضغط نفسي لأجد خطة ما مناسبة لحياتي، فيوماً ما سأعرف ما يتوجب علي فعله، وحين يحين الوقت لهذا سأكون مستعدة له.

جعلني "كريج" أفهم كيف ترى نفسك بعد أن تنتهي من فترة اكتئابك؛ حيث يُصبح الموضوع "قصة مُضحكة نوعاً ما" بالضبط مثل اسم الفيلم، فتشاهد كل شيء بعيون مُختلفة، ويصبح لغاية الحياة وهدفها معانٍ جديدة، فتتساءل ضاحكاً كيف سمحت لنفسي أن أظل تحت قيود هذا الاكتئاب اللعين، وتنظر إلى مرآتك مُعجباً بقوتك الهائلة وشجاعتك الكبيرة التى اكتسبتها من خلال المرور بمثل هذه التجربة.

أحب مشاهد الفيلم لقلبي هو احتفال نزلاء المصحة بآخر ليلة لـ"كريج" فيها، حين أصر على تشغيل موسيقى شرقية ليحمل "مقتدى" على الخروج من غرفته لعلمه بولعه بالموسيقى الشرقية، فيصدح صوت فريد الأطرش فى المصحة مُغنياً "حبينا.. حبينا.. حبيناكِ حبينا"، ويخرج "مقتدى" من الغرفة ويبدأ فى الرقص وسط تصفيق الجميع وابتسامة رقيقة على ثغر "كريج"؛ لأنه لا شيء أكثر سعادة من إدخال السعادة على قلب أحدهم ولو بمقطوعة موسيقية!

إن هذا الفيلم ليس مُوجهاً لمن مروا بمراحل الاكتئاب أو بمن يعيشونه فحسب، بل لمن حولهم من ذويهم وأصدقائهم ومُحبيهم، لينبههم إلى أن المُكتئب لا يلعب لعبة سخيفة هو في غنى عنها أو قادر على إنهائها في أي لحظة، لينبههم إلى أن القدرة على ممارسة الأعباء والأنشطة اليومية هو شيء لو يعلمون عظيم، وأن النجاح في التبسم للآخرين تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المُكتئب، وأن إيجاد الهدف والرغبة من الاستمرار كل يوم هو عمل بطولي كبير، لا يُدرك كُنهه إلا من فقده، فلا تسفهوا من أحدهم إن أخبركم أنه غير قادر على القيام بأبسط النشاطات البشرية وأقلها تعقيداً مثل مغادرة السرير كل صباح!

حين شاهدت "إنها قصة مُضحكة نوعاً ما" توجهت إلى حاسوبى لأكتب عنه بعد انقطاع شهر كامل عن الكتابة، بعد أن كنت ظننت أن أفكاري قد نضبت، وأن أقلامي قد جفت، وأنه لن يعد بإمكاني كتابة حرف، وأنني لن أُشفى مما أعاني أبداً، ولن أقدر على استجماع طاقاتي المُهدرة وروحي المُتناحرة في كل مكان، خصوصاً في ظل العيش في مجتمع ضاغط كمجتمعنا، أُطالب فيه بأن أخسر رفاقي واحداً تلو الآخر ولا أتألم، وأن أرى الآلاف يُعتقَلون لقول الحق ولا أتكلم، وأن أكون عند حسن ظن الجميع دون كلل أو ملل، وأن أعيش في مجتمع يتطلب السير في الشارع فيه مجهوداً نفسياً جباراً، ويمارس فيه الناس القهر على بعضهم البعض، ويحكمون على أنفسهم وعلى غيرهم بأحكام قاسية غير منطقية، فيعلقون المشانق الأخلاقية ويزعمون امتلاك صكوك الغفران، كتبت عنه؛ لأنه جعلني أشعر بأن لمحاولاتي في أن أنتشل روحي من كل هذا معنى، وأنني لست منوطة باختلاق الأعذار لنفسي في نفوس من حولي، وأنني بطلة، فقط طالما ما زلت راغبة في المحاولة!