المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء أحمد الكسباني Headshot

لأن الرجال أيضاً لديهم "بريود"

تم النشر: تم التحديث:

تتصاعد صيحات المطالبة باقتحام المرأة لكل مجالات العمل في الشرق، خصوصاً بعد أن قاربت المرأة الغربية على أن تفعل كل وأي شيء، وخصوصاً بعد نجاحها في أداء كافة المهمات التي كان يضطلع بها أقرانها من الرجال فحسب، لتُثبِت أنها بالفعل قادرة على أن تكون أي شيء، من قاضية إلى شرطية إلى مُحقِقَة ومدعٍ عام -كوكيل النيابة لدينا- إلى مديرة تتولى إدارة شركات كبرى وتصل بها إلى انتشار عالمي وإلى أرباح خيالية، إلى طيّارة ورُبان سفينة وحتى وزيرة دفاع، وبينما تُقابَل هذه الصحيات بكثير من التشجيع في الخارج، فهي تلقى أقل القليل منه هنا، ليس فقط لأن بها ستحاول المرأة مزاحمة الرجل في مناحٍ مهنية كان قد اعتاد أنها خُلِقَت من أجله، بل لأنه يوجد سبب بعينه، يجعل البعض ينظرون إلى المرأة باعتبارها إنساناً غير قادر على العمل والإنجاز بشكل دائم ومستمر، بل أحياناً غير قادر على ممارسة الحياة كلها، وهذا السبب هو البريود، أو الدورة الشهرية!

يظن البعض أن البريود هي شيء يحول بين المرأة وبين قدرتها على الحياة، يمنعها من مزاولة العمل بحرفنة وإبداع، يُحيلها إلى "زومبي" غايته تناول أدمغتهم على قائمة غذائه، يعتريها بسببه التقلُب المزاجي الحاد "ولا أجدعها برج جوزاء"، ويجعلها تتناول في إفطارها عشرة ساندويتشات وزجاجتي نيسكافيه وخمسة قوالب حلوى وكأنه شحاتة أبو كفّ، وهي بالطبع بـ"لَمَس"، فما إن اقترب منها أحدهم حتى تستشيط غضباً، وتجلس له كـ"سونيا" في مسرحية تخاريف قائلةً له كما كانت تقول لزوجها مرسي بعنف "مش مشكلتي يا حبيبي.. مش مشكلتي يا بابا"، لربما قد حدث هذا بسبب تهويل البعض الآخر لما تكون عليه المرأة أثناء خوضها لفترة الدورة الشهرية؛ حيث صاغوا معاناتها وكأنما تتحول إلى وحشٍ أسطوري، التنين الأحمر عاد من جديد، فلننصب الدفاعات، ولنتحصن في منازلنا من غضبه، حتى لا ينفث في وجوهنا نيرانه، وبالتالي، فلنتجنب هذه المرأة حتى يمر هذا الوقت العصيب جداً على الجميع -ليس عليها وحدها- أو لتبقى المرأة في بيتها "الكام يوم دول"، حتى تنقشع الغمة، ويعود التنين الأحمر من حيث أتى!

يُرسخ هذا الاعتقاد في أذهان البعض أفكاراً مغلوطة عن عدم قدرة المرأة في أن تُصبِح قاضية مثلاً، فلربما أتتها دورتها الشهرية أثناء العمل، وبسبب شعورها بأنها "مش في الموود النهارده"، ستحكُم بغير عدل، وتُعطي مظلوماً حكماً بالإعدام تحت شعار "أهو كيفي كده"، كما بالطبع لا تستطيع أن تُصبِح وزيرة دفاع، في يدها مقاليد أهم أسلحة الدولة، جيشها، فلربما ينزل عليها الإلهام ببعض القرارات الحلزونية كتقديم اقتراح لرئاسة الجمهورية بمحاربة دولة مجاورة ترتبط مع الدولة التي تتولى وزارة دفاعها بعلاقات صداقة قوية، فتخربها وتجلس على تلها مبتسمة، فقط لأنها "مش حساهم"، وهي بذلك لا يمكن أن تُصبح مديرة تُحسِن مودها على حساب موظفيها بخصم خمسة أيام لهم تتوافق مع أيام دورتها الشهرية، حتى يشعروا بمعاناتها، ولا يمكن أن تصبح رئيسة جمهورية أو حتى موظفة حكومية، ففي النهاية ستجعلها البريود تقول لك بابتسامة لزِجة "فوت علينا بكرة".

وما يتناساه الكثيرون، إن أغلب الكوارث الإنسانية التي ارتُكِبَت في هذه المجالات كانت في الأساس من رجال، رجال تحكمت فيهم تقلُباتهم المزاجية أو عدوانيتهم لشخص ما أو عدم قدرتهم على مواصلة العمل تحت الضغط أو ببساطة كونهم أشخاصاً لزجين -كأغلب موظفي الحكومة-، بل يتناسى الجميع، أن للرجال أيضاً بريود، نعم، هذه هي الحقيقة، فبحسب الدراسات العلمية* أُثبِت أن الرجل يأتيه وقت في الشهر يُعاني مما يُعرَف بالـ IMS وهي ببساطة وقت يعاني فيه الرجل من انخفاض حاد في نسبة هرمون الذكورة كل شهر، وهو ما يؤدي إلى شعوره بالإحباط والتعب وانخفاض الشهوة الجنسية وعدم رغبة في العمل أو الإنجاز، وإلى إثارة الأسئلة الوجودية في وجدانه من نوعية "هي الحياة فيها كام بلياتشو"، وهو شيء لا يستطيع أن يتحكم فيه بمحض إرادته، وهو أيضاً شيء لا يُؤثِر بالضرورة على عمله وعلى قدرته على الإنجاز، التي ربما تتناقص أو تتراجع، لكنها لا تختفي كلياً ليحل محلها غباء قاتل أو تهور صارخ أو عنف شديد.

يضعنا هذا أمام واقع نتعامى عنه أغلب الوقت، وهو أنه حتى ولو لم ينزف الرجل، وحتى لو كانت معاناته في الفترة إياها لا تصل إلى حد معاناة المرأة، فهو يعيش وقتاً يكون فيه أيضاً بحاجة إلى الابتعاد عن الجميع، أو بالأحرى إبعاده عن الجميع، وذلك في أنظار من يرون هذا ضرورياً للمرأة الحائض، وذلك حتى لا يُثير المشكلات أو يتسبب في حدوث مصائب في العمل؛ لنذهب جميعاً رجالاً ونساءً إلى شواطئ المالديف، ونحتسي البينا كولادا لحين انتهاء هذه الفترة الشهرية العصيبة من حياتنا، وهو ما لن يُريح أعصابنا أيضاً، لربما تدفعنا دوراتنا الشهرية إلى انتقاد البينا كولادا لأنه ناقص سكر، أو لأن نسبة الأناناس فيه لا تتماشى مع نسبة جوز الهند!

ومع تناسي كل هذه الحقائق أو حكرها على المرأة فحسب، يقوم الكثيرون بتحجيم المرأة في ساحات مهنية لا تستطيع أن تعبرها لتُثبِت نفسها في الأعلى منها، أو حتى بإقصائها كلياً عن الساحة العملية، وهو ما نراه في عدم احترام المديرين لواقع معاناة المرأة في فترة الدورة في العمل الخاص أو العام، وصراخهم المستمر إذا ما طلبت امرأة إذناً أو إجازة يوم؛ لأنها تشعر بتوعُك جرّاء فترة البريود، وقيام بعضهم بتعيين الرجال فقطـ تخوفاً من أن يتوقف سير العمل بسبب تأخُر الآنسة في الحمام بعض الوقت، أو بسبب طلبها لإذن تذهب فيه إلى المنزل لشعورها بتوعّك نهاية/ بداية الشهر، مُتناسيين أن الرجل يمرض أيضاً، ويكتئب أيضاً، ويتعب أيضاً، وتأتيه البريود أيضاً!

* ثمة مصادر علمية كثيرة للاطلاع عليها، انتقيت منها أيسرها لغةً وأقدرها على إيصال المعلومة:

Men May Not Bleed, but Here's Why They Have 'Periods'

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.