المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

ثقافة الاغتصاب والمجتمع المصري

تم النشر: تم التحديث:

(1)
اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي منذ بضعة أيام بخبر عن اغتصاب "كلبة" من قِبل آدميين، نعم، كما قرأتم بالفعل، اغتصاب كلبة من آدميين!

ومع ظهور الكثير من الادعاءات حول الأمر، وتكذيب الكثيرين لإمكانية حدوث مثل هذا الأمر لاستحالته بيولوجياً وعلمياً، ضاع أهم وجه للحقيقة ما بين القيل والقال، ولم نعرف ما مدى صدق هذا الادعاء، لنفهم لاحقاً أنه قد تم اغتصاب الكلبة باستخدام عصا خشبية أو آلة حادة، وليس باستخدام عضو ذكري بشري، لينتج عن هذا تهتك جسيم بالعضو التناسلي للكلبة، ونجم عنه ضرورة استئصال رحمها لتبقى على قيد الحياة.

ومع هذا ظل الكثيرون يرفضون مُسمى "الاغتصاب" لهذا الانتهاك الجسيم، ويصرون على تسميته بـ"تعذيب"، لنظرتهم للأمر التي يعتريها كثير من الخلل، والتي تستوجب حدوث اتصال جنسي مباشر ما بين المُعتدي والضحية، ليصبح الأمر اغتصاباً، أما إذا لم يحدث هذا، أو حدث من دون أن يستخدم المعتدي عضوه التناسلي فلا يُعد هذا اغتصاباً، ولذلك -بالنسبة لهم- نحن معشر الحقوقيين نُكبِّر الأمور كثيراً، ونضعها في سياقات أكبر من حجمها الحقيقي عشرات المرات، مع أنهم لو توقفوا للحظة عن التبرير، ونظروا إلى أبعاد الموقف، وإلى مدى الانتهاكات الناجمة عنه، لأدركوا الحقيقة الخافية عن أعينهم! فإذا كان هذا ما يحدث مع أنثى من الحيوانات، من تبرير وتكذيب، فما بالكم بما يحدث مع أنثى آدمية مصرية!

(2)
منذ مدة ليست ببعيدة، حدثت في مصر واقعة اغتصاب لفتاة، وبالرغم من اطلاع الكثيرين على ملابسات الواقعة بوضوح، إلا أنهم طالبوا بتخفيف العقوبة على المعتدين، نظراً لأن "الاعتداء الجنسي" حدث من خلال دُبر الفتاة، ومن ثم فهي ما زالت عذراء، إذاً في هذه الحالة لم يقع أي شكل من أشكال الاغتصاب، ويجب أن تحمد الفتاة وأسرتها القدر الذى أسهم في حفظ "شرفها"، وأن تختفى لمدة حتى يتناسى الناس أخبارها لتعود من جديد لنشاطها كإنسانة في هذا المجتمع!

(3)
رأيت منذ يومين خبراً عن تفجير المخرج المعروف "برناردو بيرتولوتشي" لمفاجأة كبرى، تخصُّ فيلمه المعروف باسم "التانجو الأخير في باريس"، من بطولة النجم المعروف "مارلون براندو"، حيث صرّح بأن مشهد الاغتصاب الذي حدث بين البطل والبطلة بالفيلم لم تكن البطلة على علم به، أي حدث رغماً عنها، زاعماً أن هذا قد خدم قصة الفيلم كثيراً، وكان في صالح الإبداع، لأنه أراد رد فعل البطلة كفتاة تتعرض للانتهاك، وليس رد فعلها كممثلة، فتكون دموعها حقيقية، ويُرى على وجهها آثار الامتعاض والكراهية والإحساس بالذل والانتهاك!

وفى حين حصد مارلون وبيرتولوتشي المدح والجوائز كلها، ظلت البطلة "ماريا شنيدر" تعاني من الاكتئاب باقي حياتها، ولم يصدقها أحد حين صرّحت بأنها قد اغتُصِبت في هذا الفيلم تحديداً قبل وفاتها بعدة سنوات، لم يصدقها أحد إلى أن أقر المخرج بحقيقة الأمر، وكأنما يجب أن نُصدِّق الأمر حين يخرج من بين فم الرجل فقط، أما المرأة فهي دائماً كاذبة إلى أن يثبُت العكس!

وبالرغم من هياج الرأي العام العالمي على هذا الأمر، إلا أن تعليقات الكثير من المصريين على الخبر -وليس الكل بالطبع- على السوشيال ميديا قد أبهرتني إلى حد كبير، فبعضهم برَّر الواقعة باعتبار أن البطلة كانت تلعب دور فتاة لعوب بالفيلم أصلاً، فماذا كانت تزن؟! إنهم سيعاملونها على أنها تلعب دور راهبة؟! وبعضهم برَّر الواقعة باعتبار أن الأمر حدث في سياق الدراما فقط، وأنه لم يحدث اتصال جنسي حقيقي بين بطلي الفيلم، وإنما هي دراما سينمائية خدمت الفيلم فحسب، ومن ثم لم تُنتهك الممثلة على الإطلاق، وإن جاز أن نصف هذا كعنف فهو لا يرقى إلى مرتبة الاغتصاب على الإطلاق!!

(4)
يرسف مجتمعنا المصري في ظل أغلال الذكورية إلى الحد الذي يجرده من الإنسانية، فيبرر الانتهاك الجنسي لأي امرأة على أنه مجرد حادثة عادية، ولا يُسمي الأشياء بمسمياتها على الإطلاق، وإنما يختار ألفاظاً أقل حِدة ليصف بها أموراً بشعة، فقط من أجل أن يمررها، من أجل أن يلبسها ثوب الاعتياد، لتصبح شيئاً عادياً في حياتنا نراه كل يوم، فنألفه، ونفقد جزءاً من أرواحنا مع اعتياده يوماً تلو الآخر! يمتلئ مجتمعي بما يُعرف بثقافة الاغتصاب، يغرق فيها حتى أذنيه، فيبرر الاغتصاب بأشياء مثل عدم حدوث الانتهاك في المهبل، أو عدم حدوثه باستخدام العضو الذكري، أو بآلات حادة، أو بعصي، أو حتى بأنه لم يحدث اتصال جنسي حقيقي أو مباشر مع الضحية، بل يُلقي باللوم دائماً على الضحية في كثير من الأحيان، ويتهمها بأنها سبب أساسي فيما حدث لها، مُتناسياً أن الاعتداء الجنسي جريمة تترك آثارها في كيان الضحية إلى آخر يوم في حياتها، تظل تكابد الآلام النفسية والسيكولوجية إلى يوم توافيها منيتها، ولا تقدر على تخطيها مطلقاً، حتى وإن تعافى جسدها!

ولأن القانون هو روح المجتمع، ومرآة تعكس بيئته وثقافته، نجد أن القانون المصري يوافق على رأي المجتمع، بل ويقننه! فيُعرِّف الاغتصاب الجنسي على أنه "اتصال الرجل جنسياً بالمرأة من دون رضاها"، ومن ثم يجب أن يتوافر الركنان الماديان وهما المواقعة وعدم الرضا، مما ينفي اعترافه بأي شكل آخر من أشكال الاغتصاب، فيعتبر الاغتصاب الشرجي مجرد اعتداء لا يرقى للاغتصاب، أو بلغة القانون يصبح هتكاً للعِرض، كما لا يعتبر الاغتصاب الزوجي اغتصاباً، لأنه يرى المرأة حِلاً لزوجها بأي شكل، حتى وإن لم تكن موافقة أو راغبة، وفضلاً عن هذا فإن القانون المصري لا يعترف باغتصاب الأطفال، إلا إذا قرر الطبيب الشرعي أنه من الممكن أن يحدث الإيلاج في عضوها التناسلي فقط، ولا يعترف أيضاً بالاغتصاب باستخدام الآلات الحادة أو أي جسم غريب غير بشري كعصي!

يغفل المجتمع المصري وقانونه تعريف منظمة الصحة العالمية للاغتصاب، ألا وهو "أي فعل جنسي، أو أي محاولة للقيام بفعل جنسي، أو التعليقات والعروض الجنسية غير المرغوب فيها، أو أي أفعال من شأنها تمرير أو توجيه الشخص للقيام بشيء ضد رغبته الجنسية باستخدام العنف وأدوات الإكراه المادية والنفسية"، يغفل المجتمع المصري وقانونه أشياء مثل الاغتصاب النفسي والعقلي والمعنوي وكل النتائج الأخرى المترتبة على إجبار أحدهم على القيام بأي فعل جنسي ينتهك آدميته، يغفل المجتمع المصري وقانونه أن الاغتصاب غير قائم في الكثير من الوقائع على إحداث شهوة جنسية أو تلذذ بجماع، وإنما على إحداث الانتهاك بالضحية، على الإمعان في إذلالها أو استغلالها أو إشعارها بأنها الطرف الأضعف في المعادلة، قائم على تعويض الذكر لإحساسه بقوته المفقودة وعلى تفريغ شعوره بالنقص في طرف أَضعف منه، وعلى النظر للمرأة على أنها مُستباحة طوال الوقت للجميع، مشاع للكل، فإذا ما تزوجت أصبحت مستباحة لرجل واحد فقط، فيبرر اغتصابه لها أيضاً.

يغفل المجتمع المصري وقانونه أن المرأة المصرية إنسان ذو كيان مستقل، وأن الانتهاك لا يكون دائماً باستخدام الأساليب العادية المتعارف عليها، وأن الآثار والأبعاد النفسية للموضوع أكبر بكثير من الإطار الموقلب فيه!.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.