المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

معرض الكتاب أم معرض الفيسبوك؟

تم النشر: تم التحديث:

ليس هذا أوَّلَ عام أقرأ فيه بعضاً من المهازل التي تُنشَر في كُتب وتنزل إلى الأسواق في معرض الكتاب باعتبارها دواوين شعرية أو روايات أدبية، فمنذ حوالي 3 أو 4 سنوات بالتحديد بدأ الأمر ينتشر بشكل كبير ومقيت للغاية!

تحول معرض الكتاب من ملتقى ثقافي وأدبي إلى حساب على الفيسبوك، يكتب فيه وله من لا يمتون إلى الأدب بصلة، ولا يمتلكون أي موهبة أدبية أو لغوية، جُل ما يملكونه هو حساب على الفيسبوك، يمتلأ بمنشورات لا علاقة لها بالفن والأدب، لكنها تجتذب المتابعين من كل حدب وصوب، لتمتلئ حساباتها بالمتابعين، ويعد عدادهم إلى أن يصل للآلاف، وقتها فحسب تتهافت عليهم دور النشر، راجيةً منهم أن يضعوا هذا القيء في كتاب يسمونه برواية أو ديوان شعري، مع أنه لا يرقى حتى لمستوى الخواطر!! وبالرغم من أننى من أكثر المُعادين لما يُعرف بـ"الذوق العام" وأؤمن أشد الإيمان أن الفن ليس بالضرورة أن تكون غايته إرسال رسالة ما، وإنما يكفي أن يلمس الأرواح والقلوب ليصير فناً، إلا أن هذا الذي نحن بصدده لا يلمس سوى الشعور بالقرف، لذلك اعذروني إن سمَّيته قيئاً!

وبالرغم من تنصُّل الوَسَط الأدبي منهم، إلا أنهم يعيدون الكرَّة كل عام، بسبب إقبال الجماهير العريضة من المتابعين على شراء هذا المُنتج المُشَوَّه، وحقيقةً فإن هذا الإقبال هو أكثر ما أثار حفيظتي واندهاشي، نظراً لأن هؤلاء المتابعين من جيل الشباب المُتعلِّم في مصر! فكيف لهم أن يتذوقوا مثل هذه الأعمال الرديئة باعتبارها أدباً أو فناً أو حتى أي شيء ذي قيمة ومنطقية؟! وهو ما دفعني لكتابة هذا المقال، لتحليل هذه الظاهرة والبحث في كُنهها، علَّنا نجد تفسيراً منطقياً لهذا الهراء السنوي!

لربما يظن البعض أن ظاهرة الفن التجاري شيء جديد على الساحة الفنية في مصر، لكنه يؤسفني أن أُخيب لهم توقعاتهم، فالفن التجاري كان موجوداً في مصر منذ ظهور أفلام المقاولات منذ السبعينات والثمانينات، أما ظهورها في الوَسَط الأدبي تحديداً مؤخراً بهذه القوة فسببه هو بحث البعض عن الشهرة والثراء السريع، من خلال استغلال غرائز المتابعين الأشد بدائية، ولهذا فهم يهتمون بمخاطبة المشاعر من الإعجاب والحب والانجذاب للجنس الآخر، وقد يتساءل البعض كيف لهذه الأعمال أن تلقى رواجاً لدى الناس بالحديث عن الحب والمشاعر فحسب، في حين تظهر كتب أخرى أكثر إبداعاً وإتقاناً لغوياً وأدبياً تتناول نفس المواضيع لكنها لا تلقى نفس الرواج، وهذا ما يضعنا أمام ثلاث إشكاليات هامة، أولها هو استخدام اللغة العربية العامية البسيطة التي تصل إلى قلوب المتابعين بسهولة ويُسر، ثانيها هو المُراهنة على طبيعة العلاقة المشوهة التي تجمع الجنسين في مصر، علاقة تُشبه علاقة القط "توم" والفأر "جيري" إلى حد كبير، حيث لا مفاهيم صحيحة عن العلاقة العاطفية السليمة أو الإطار الصحيح لممارسة هذه العلاقة، إنما علاقات مُشوهة يغلُب عليها التحكم والتسلط والمراوغة وعدم التقدير وإبراز العضلات من الطرفين، وثالثها وأهمها هو انحدار مستوى التعليم المصرى وعدم اهتمام الدولة بتخصيص ميزانية خاصة به، ليتخرج الطالب منا في الكلية وهو لا يعرف كيف يكتب اسمه باللغة العربية حتى! ولا ينجو من هذا المأزق سوى من يهتم بتطوير نفسه في قواعد اللغة والإلمام بها، حتى أنا الكاتبة الصحفية قد عانيت من مشكلة كبيرة مع وضع الهمزات في الكلمات ومع علامات الترقيم ولم يحلها سوى تعليمي لذاتي بهذه القواعد!! كل هذا وأكثر يدفع سيلاً من المتابعين الشباب إلى ضغط زر المتابعة لحسابات هؤلاء "الكُتاب" على الفيسبوك، ليتكون للواحد منهم قاعدة كبيرة من المُتابعين تُمكِّنه من الإحساس بذاته بما يكفي لتصديق أنه كاتب أو قاص أو شاعر أو أديب أو أياً كان، ليرتدي ثوب رهبان التبت، ويرى أن حكمة الله في الأرض قد تمثلت فيه، ليصوغها لنا في عمل أدبي يدفع أي مُتَذوِّق جاد إلى الانتحار.

إلى جانب هذا كله، فقد بدأت أغلب دور النشر في معاملة الوَسَط الأدبي على أنه "سوق تجاري" فيه ربح وخسارة، ومن ثم يبحثون عمن يقدر أن يحقق لهم الربح المنشود في ظل بلد ما هو بقارئ، وفي ظل ظروف اقتصادية تجعل البحث عن مُنتج أدبي جاد لنشره مُراهنة ليست ببسيطة، ومن ثم يتوجهون إلى من يمتلك قواعد جماهيرية عريضة تجعلهم يثقون في أن هذا الكِتَاب -إذا جاز لنا تسميته بهذا- سيحقق الربح المرجو.

ومن ثم فإن واقع الثقافة والقراءة في مصر واقع شديد البؤس، استحال مع الوقت إلى "سبوبة" تجارية أكثر منه فنا، لأن دار النشر يهمها في النهاية أن تجني ما يكفي لها من رأس مال يُتيح لها الاستمرار في إنتاج منتوجات أدبية، فصارت العملية برُمتها "بيزنس"، بيزنس يحرم الكثير من الكُتاب والأدباء الشباب القادرين تماماً على إمتاعنا بأعمال أدبية لها جودتها وكيانها ربع فرصة من الفرص التي تُمطر أولئك الكُتاب المُدعين، لكنني على ثقة من أن كتاباتهم سترى النور يوم أن يعود الأدب إلى مكانته المقدسة ثانيةً.

وبالرغم من القلق الذي يساور الكُتاب والأُدباء والشعراء حالياً جرّاء انتشار هذا النوع المقيت من الأدب التجاري، إلا أنني أضمن لهم أنه لن يستمر، فالصعود الذي يعقبه صعود هو المعيار الوحيد لقياس الأعمال الأدبية، أما الصعود المؤقت أو المعروف عامياً بالـ"زيطة"، فيعقبه خفوت وزوال، ومصيره إلى النسيان، لن يُخَلَّد مع الوقت ولن يبقيه الزمن طويلاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.