المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

لماذا نحب أبو تريكة؟

تم النشر: تم التحديث:

كان أول عهدي بمعرفتي بأبو تريكة حين كنت على أعتاب أبواب المراهقة، حيث كان يلعب فى منتخب مصر من أجل بطولة كأس الأمم الإفريقية 2006، وبطبيعة الحال لم تكن تستهويني كرة القدم، ولم أكن أفهم شيئاً -وما زلت- إذا ما شاهدت مباراة لا يتخللها صوت معلق يخبرني بأهم التطورات في الملعب.

لكني خطوت إلى عالمها بسبب بحثي عن الشعور بالانتماء للوطن، ذلك الذي لم يتحقق إلا بمتابعتي لمباريات المنتخب المصري، وبالفرحة التي تملأني كلما حقننا هدفاً أو أحرزنا بطولة، وبسبب حب أبي لها، "الزملكاوي" المخضرم الذي يظل وفياً بالرغم من كل مباراة يخسرها فريقه، وبالرغم من ولعه بنادي الزمالك إلا أنه أحب أبو تريكة بصدق، بل وأورثني حبه، مثلنا مثل غيرنا من ملايين المصريين الذين عَشِقوه، حتى توجوه أميراً على قلوبهم، ليس فقط لحرفنته ومهارته الشديدة في الملعب، بل لتواضعه وأخلاقه المشهودة داخل الوسط الكروي وخارجه.

وبرغم عدم اتفاقنا كشعب على أي شيء وعدم إجماعنا حتى على أبسط الأمور وأكثرها بداهة، تمكن حب ذلك اللاعب الإنسان من قلوبنا جميعاً، كبيرنا وصغيرنا، ليتردد اسمه في الأرجاء بعد كل "جول" يحرزه، ولتنتشر صوره على حوائط غرف الشباب المصري، وليجري كل مُبتدِئ في لعب الكرة حول الملعب مبتسماً باسطاً ذراعيه كلما أحرز هدفاً مُقلِداً إياه، نعم، لا أظن أنني أُبالِغ إذا ما قلت إن شعبية أبو تريكة تُشبه إلى حد كبير شعبية الكابتن ماجد صديق طفولتنا جميعاً، أو تتغلب عليها حتى!

نعم، نحب أبو تريكة؛ لأنه كشف عن صدره مرسلاً إلى العالم رسالة ليلفت نظره لغزة، نحب أبو تريكة؛ لأنه أبكانا فرحاً حين أحرز هدفاً قاتلاً في الدقيقة 91 قبل انتهاء مباراة الصفاقسي التونسي بأربع دقائق فقط، نحب أبو تريكة لأنه ساهم في إحراز ثلاث بطولات إفريقية على التوالي، نحب أبو تريكة؛ لأنه بكى معنا ضحايا بورسعيد، نحبه لأنه منا، ولأنه لم يكن يوماً بعيداً عن نبض الشارع المصري.

وأنا لست هنا للحديث عن بطولات أبو تريكة وإنجازاته وإنسانيته، أو كيف رفع اسم مصر خفاقةً فى المجال الكروي والإنساني، فهذه أشياء لا تخفى على أحد، فضغطة واحدة على محرك البحث "جوجل" كافية جداً لأن تعرف تاريخ هدّاف إفريقيا، وإنما أنا هنا للحديث عن الخبر المفزع الذي استيقظت عليه صباح البارحة، وهو إدراج اسمه في قائمة الإرهابيين والتحفظ على أمواله ووضعه على لائحة الترقب في حالة عودته للوطن!

لم أكد أصدق عيني بقراءتي لهذا الخبر! أبو تريكة إرهابي؟ لماذا؟! يا إلهي لا بد أن هناك خطأ ما! لكن للأسف كان الخبر صحيحاً، مما أثار عاصفة ليست ببسيطة في الرأي العام المصري، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث امتلأت بالاستنكار والتعجب من إصدار قرار قضائي مصيري كهذا بدون وجود أدلة واضحة تشير إلى تمويل أبو تريكة لأي جماعات إخوانية، وإصرار على أن كل هذه الاتهامات إنما هي محض افتراءات ناتجة عن انتمائه السياسي المخالف.

يجعلنا هذا الخبر بصدد إشكالية متأصلة في جذور الأزمة المصرية، وتحتاج منا هذه الإشكالية إلى تفنيد دقيق للغاية! Cute لمعنى كلمة الإرهابي؛ لأنه إذا كان مرادفها "أبو تريكة"، فهذا يعني أن الإرهاب شيء تُعرفه كتب العلوم السياسية الإرهاب بأنه كل عمل يتضمن عنفا، سواء بممارسته أو بالتشجيع عليه، وأظن أن هذا التعريف البسيط لا ينطبق البتة على أبو تريكة، ذلك الإنسان الخلوق الدمِث الذي يشهد الجميع بنزاهته وإنسانيته، وإن كان انتماؤه لفصيل سياسي لا يتسق والتوجه العام للسياسة في مصر يجعله عُرضة للتشويه، فمن ثم وصمه بجريمة مثل هذه لا يعدو كونه إرهاباً في حد ذاته!

لكنه إرهاب فُكاهي إلى حد كبير، لأنه ينزل بمكانته التي من المفترض أن تكون أكبر من بعض الكلام المتناثر من قِبل من يعتبرهم معارضيه إليه، ويضعهم نصب أعينه، فينكل بهم لأنهم تفوهوا بشيء لم يجدر بهم قوله، كما أنه ليس بجديد على الحياة في مصر، فمنذ أوائل عصور الجمهورية في مصر، يتم تشويه أي شخصية عامة لا تتسق توجهاتها وتوجهات النظام، بدءاً من عبدالناصر وحكايته مع الراحل محمد فوزى، مروراً بإسماعيل يس، وحتى ما نراه فى أبو تريكة الآن.

تجعلنا أزمة أبو تريكة ننتبه لذلك الخط الرفيع بين الاختلاف مع الفكر السائد وبين ممارسة العنف على أساس الشعور بالاختلاف مع هذا الفكر، ولوصم المعارضين دائماً بتهم مقولبة وجاهزة للنيل منهم، سواء أكانت الخيانة العظمى -قديماً- أو أكثرها حداثة -الإرهاب-، تجعلنا ننتبه إلى خطورة قذف من نختلف معهم بتهم كبيرة ومرعبة للغاية، وتحتوي على قدر كبير من المطاطية بما يكفى لأن نلفها حول أعناق من يخالفون آراءنا على حسب مدى بغضنا لهم، فنضيقها كلما شعرنا بضرورة صمتهم ونتركها متسعة إذا ما هادنوا.

إن الأمر لن يقف عند حد إدانة أبو تريكة بالإرهاب داخلياً، فرجل ذهبي مثل هذا، تدعوه الفيفا إلى أغلب احتفالاتها، ويعتبره العالم خليفة زين الدين زيدان سيضعنا في موضع حرِج للغاية مع العالم بأسره، وهو لن ينتقص منه الأمر سوى في اشتياقه للوطن، أما نحن، سنظل نحب أبو تريكة!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.