المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

للجاسوسية وجوه أخرى

تم النشر: تم التحديث:

كنت منذ صغري -وما زلت إلى يومنا هذا- مولعة بأفلام الجاسوسية والعملاء السريين؛ لأنني ترعرعت على قراءة أعدادٍ لا نهائية من "رجل المستحيل - أدهم صبري"، جيمس بوند الشرق، وهو بالطبع غني عن التعريف، لكن ما أثر فيّ حقاً هو مشاهدتي لقناتي شباب المستقبل "سبيس توون" و"إم بي سي 3"، وقد كانت "Totally Spies" الأخيرة تذيع حلقات مسلسل "الجاسوسات".

كنت أتخيل نفسي دائماً جزءاً من فريق "سام" و"كلوفر" و"أليكس"؛ ثلاث فتيات بالجامعة يصبحن عميلات سريات دون قصدٍ منهن، يحاربن الشر، ويحاولن إنقاذ العالم بمعداتهن المبهرة التي دائماً ما تحمل لمسات أنثوية خاصة، وقد ظل المسلسل قائماً من 2001، أي منذ كان عمري ثماني سنوات، وحتى 2013، ولم أفوّت حلقة واحدة قط.

وبعد تطور الأقمار الصناعية، وإنشاء شبكة قنوات الأوربت، حرص أبي على إدخالها إلى منزلنا، بالطبع لم نشترك فيها، وإنما ذاع استخدام الوصلات المسروقة، ولم يخلُ بيت في شارعنا منها، وشاء القدر أنْ نكون من ضمن العائلات التي سارعت باستغلال هذه الوصلات، وحين أفكر بهذا حالياً لا أندم مطلقاً، وحين أشعر بوخزة ضمير خفيفة، أتذكر أنَّ أوربت أدخلتني إلى عالم قناة "ديزني"؛ حيث دلفت إلى حياتي الرائعة "دامو ستحيل"، وهي فتاة مُراهقة أُسندت إليها مهمة محاربة الجرائم حول العالم، من "ألذ" وأشهر وأفشل وأشر أعدائها، "الدكتور دراكن"، ومساعدته الحسناء خضراء اللون "شهيرة".

كانت "دامو" تُشعرني دائماً بالقوة الكامنة الخفية بداخلي، جعلتني أؤمن أنَّ قدري هو أنْ أصبح عميلة سرية، وجاسوسة مُحترفة، وأن أقع يوماً ما في غرام أعزّ أصدقائي ومساعدي الوحيد مدمن التاكو "موستا عد"، فقد كانت مثالاً للفتاة الناجحة القوية التي تُخطئ ولا ترفض الاعتراف بخطئها، وتعيش مشاكل المراهقة الحقيقية التي عانيت منها في ذلك الوقت، ما زلت أذكر كم كان يسخر مني أصدقائي حين كنت أخبرهم برغبتي المحمومة فى أن أصبح جاسوسة، فأرد بكل حمية قائلة: "لا شيء مستحيل عند آل ستحيل!".

بدأت حياتي تتغير بشكل يجعل الجاسوسية تمسك بتلابيب عقلي، وتتملك وجداني، حين خرجت من عباءة الرسوم المتحركة إلى عالمٍ أوسع وأبرح بكثير، عالم تصبح فيه معدات الجاسوسية حقيقة واقعة، ويصبح فيه العملاء السريون أكثر كفاءة وواقعية.. عالم السينما!

كان أول فيلم أراه للجاسوسية -بالطبع- فيلم "بوند، جيمس بوند"، أو العميل 007 من بطولة الوسيم "بيرس بروسنان"، وقررت بعدها أنْ أشاهد السلسلة بأكملها منذ أول فيلم من بطولة "باري نيلسون" 1954، وحتى آخر فيلم لـ"دانيال كريج"، المعروف باسم "سكاي فول" 2013.

ومع ولعي الشديد بشخصية جيمس، إلا أنني كنت دائماً ما أشعر بوجود نقص، شيء غير مكتمل، ولم أحب قط فكرة كونه زيراً للنساء رغم وسامته الشديدة، وحين علمت أنَّ مجموعة الأفلام هذه في الأصل مجموعة من الروايات وتحولت إلى سلسلة أفلام، بحثت عن المؤلف لأرسل له سائلة: "لماذا لا يحب امرأة واحدة فحسب؟!"، لكنني فوجئت بأنَّ المؤلف الأصلي قد توفي وتبعه آخر باسم مستعار، فتراجعت؛ لأنَّ من كان سبباً رئيسياً في ابتداع فكرة أنْ يحب جيمس ألف امرأة في فيلم واحد يُحاسب الآن، وأقنعني عقلي المراهق بأن الله يحاسبه على قلب كل امرأة أوقعها جيمس في هواه.

ثم فاجأتني الرائعة "أنجلينا جولي"، بطلة أفلام الحركة والأكشن، بفيلم "سولت"، ومن ورائها الحسناء "كيت بلانشيت"، في "هانا"، فوجدت ما كنت أشعر بنقصانه في أفلام جيمس، التي لم أجد نفسى فيها، فأنا جاسوسة ولست جاسوساً، وظللت هكذا، أنقب خلف أفلام الجاسوسية ذات البطولة النسائية، لكنّي لم أجد حتى النذر اليسير، حتى ظهرت لي ميليسا مكارثي في فيلم "الجاسوسة"، الذي جعلني أُجرجر ورائي توقعاتي العالية، ولم يخِب ظني مطلقاً.

بالطبع يجب أنْ يمتلئ رأسك بالتوقعات العالية حين ترى هؤلاء الأربعة في أفيش فيلم واحد، ويجب أن تقف بكل إجلال في حضرة هذه الظاهرة الكونية الهوليوودية التي لن تتكرر، وتعطيها كل الاحترام والتبجيل.

مخرج هذا الفيلم قد أخرج لنا من قبل فيلمي "الإشبينات" و"حرارة"، وهما فيلمان من بطولة "ميليسا مكارثي" أيضاً، لعبت فيهما دورين رائعين وأثبتت نفسها ككوميديان حقيقية، ومن ثم فهذا هو التعاون الثالث بينهما، وأتمنى ألّا يكون الأخير!

لن أتحدث كثيراً عن "جود لو" أو العميل "برادلي فاين"، فهو بالفعل "فاين" للغاية، فضلاً عن قدراته التمثيلية الرائعة، يكفينا أنْ يظهر لنا على الشاشة في بزة رسمية غامزاً بعينيه الزرقاوين ممشطاً شعره الأشقر بيده إلى الوراء، لا أعتقد أننا سنريد شيئاً آخر أكثر من هذا!

أما "جايسون ستاتهم"، فهو بمثابة الكرز الصغير الذي يوضع على قمة كعكة لذيذة؛ ليجعلها أكثر اشتهاءً وجمالاً وبهجة.

فاجأني "جايسون" بدوره كثيراً، خصوصاً أنني لم أعهده سوى في أفلام الأكشن والقتل والتدمير، دائماً ما يطل علينا من الشاشة الفضية الصغيرة في شكل رجلٍ وسيمٍ خانه كل أصدقائه، لا تعلم إنْ كان شقياً أم خيراً، ولكنه في النهاية يقتل جميع الأشرار ويخرج من الانفجارات حيّاً يُرزق، لكن هنا، تلون كحرباء صغيرة، فقد كان "جايسون" الرجلَ الأبله المتعجرف على حق، لا تتخيل حجم صدمتي عزيزي القارئ؟ تخيل نفسك تضحك في فيلمٍ من بطولة "أمينة رزق"، الراعي الرسمي للنكد المصري، أحسستَ بالفاجعة؟ هذا بالضبط هو ما أحسستُ به حين وجدتني أضحك حد البكاء رغماً عني من "جايسون"! وما جعلني أهيم به أكثر هو أنه لم يترك فيلماً واحداً له إلا وتناوله في حواره أثناء فيلم "الجاسوسة" بالسخرية والنقد اللاذع، وقد كان تمثيله مُتقناً ومُقنعاً لدرجة لا تجعلك تصدق أنَّ هذا هو نفس الـ"جايسون ستاتهم" ذي النظارات الشمسية العريضة والآلي الذي لا تنفد ذخائره أبداً، أتمنى أنْ يُكرر "جايسون" هذه التجربة ويُخرج لنا المزيد من أفلام الكوميديا.

آثرت أن أترُك "ميليسا مكارثي" إلى النهاية، ليس فقط لأنني أحبها كثيراً، وليس فقط لقدراتها التمثيلية التي لا غبار عليها، لكن أيضاً لأنَّ دور "سوزن كوبر" يستحق أنْ يتم تناوله بشيء من التركيز.

هي عميلة سرية لكن من نوع آخر، تجلس خلف مكتب صغير ببناية "سي آي إيه"، تعمل كعينٍ وأذنٍ للعميل الميداني "برادلي فاين"، الذي تحبه بشدة، لكنه أكثر وسامة وحماقة من أنْ يدرك هذا، وحين يموت في مهمة ميدانية، تطلب سوزن من مديرتها أنْ تعطيها فرصة العمل الميداني؛ لتلحق بالمجرم الذي قتل حبيبها. وتتوالى الأحداث في إطار كوميدي شيق للغاية، تُسافر "سوزن" إلى باريس وفيينا وروما، تكتشف عالماً آخر وراء العالم الصغير المحدود الذي تعرفه، تكتشف أنَّ الكون أكثر رحابة مما تدركه حواسها الخمس في ذلك المكتب الضيق ببناية الـ"سي آي إيه"، وقد أسفرت رحلتها هذه عن تغيُّر كبير في شخصيتها، ويمكنني أنْ أُجزم أنَّ كل من يصاحبها في هذه الرحلة من خلال مشاهدته للفيلم لمدار ساعتين، سيشعر أنه قد استحال شخصاً آخر!

علمتني "سوزن" أنْ أتحرر... أتحرر من نفسي، ومن نظرة الناس إليّ على أنني فتاة ممتلئة يجب أنْ تخجل من نفسها إذا ما ارتدت فستاناً، ولا يصح أنْ تركض، يجب أنْ تظل دائماً حبيسة جسدها إلى أنْ يمن الله عليها وتفقد بضعة كيلوغرامات، علمتني أن أجازف، فماذا لديَّ بعد لأخسره؟!!

علمتنى أنْ أنطلق.. أنْ أرى العالم ولا أدخر جهداً أو وقتاً أو مالاً في هذا، علمتني أنْ أحيا لا أنْ أعيش فحسب، فكل غدٍ محسوب في عمري يجب أنْ يكون ذا قيمة، وكل يوم أعيشه يجب أنْ يضيف لي لا أنْ ينتقص مني، علمتني أنْ أركض وراء شغفي، وألّا أفقد الثقة بنفسي أو بأحلامي أبداً، أنْ أُنحّي الرجل الذي يُحجم من طموحي ويُقلل من إنجازاتي ويسعى لأخذ مكان استحققته بجدارة في عملي جانباً حتى وإنْ كنت أعشقه.

علمتني أنني امرأة قادرة وقوية، علمتني ألّا أجلس خلف مكتب صغير أُراقب الأيام تمر من أمام عينيّ دون أنْ أفعل شيئاً، علمتني أنْ أعمل ما أحب حتى أحب ما أعمل، علمتني أنْ أنتفض وأنْ أصنع مجدي بيدي، علمتني أنَّ الصداقة الحقّة هي أهم مكونات خلطة النجاح السرية، وأنّ من ساندنا في أحزاننا أولى بأن نشاركه نجاحاتنا، علمتني أنه لا يوجد تناقض أبداً إذا ما كنتُ امرأة رقيقة، تحب حد الوله، وتخلص حد الفناء، وتعشق الحياة والأصدقاء، وفي نفس الوقت قوية متمرسة في عملي، حتى وإن كان عملي هذا يتطلب أنْ أقتل أحد الأشرار بدم بارد، أبهرتني "سوزن" بقوتها، أبهرتني بتحديها للموقف وإصرارها على السير إلى نهاية الطريق.

نزلت "سوزن كوبر"، ذات الـ44 عاماً، التي كان يراها كل من حولها كامرأة وحيدة، بائسة، ممتلئة، لا علاقات لها، وبعد جلوسها خلف مكتبها لسنوات- إلى ميدان الجاسوسية، حملت سلاحها، قصت شعرها، سافرت إلى أجمل مدن العالم وقتلت الأشرار، وأتمت المهمة على أكمل وجه، وبهذا استطاعت أن تحقق أحلامها، لربما إذاً يتحقق حلم راود فتاة منذ أنْ كانت في السادسة من عمرها وحتى الثالثة والعشرين، بأن تصبح عميلة سرية وجاسوسة ميدانية يوماً ما!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.