المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

كيف يمكن لعام واحد فقط أن يغيِّرنا؟!

تم النشر: تم التحديث:

(1)
لا أهتم كثيراً بإشعارات الفيسبوك التي تأتيني يومياً لكى أتفقد ماذا كنت أفعل أو أكتب في مثل هذا اليوم من أعوام مضت، لأنني على يقين تام بأن الماضي قد حدث وانتهى، والتنقيب فيه أو خلفه لن يعيده، ولن يعود بأحداثه السعيدة والحزينة على حد السواء، كان هذا حتى البارحة، حيث بعث لي حسابي بالفيسبوك إشعاراً بإعداده لـ"فيديو" يحتوي على صورٍ لي في أحداث ومواقف مختلفة، كمقتطفات من عام 2016، وكملخص سعيد له، فدفعني الفضول إلى مشاهدته، ويا ليتني لم أفعل!

بمشاهدتي للفيديو، اكتشفت أن أغلب الأشخاص الذين قضيت معهم أوقاتي في 2016 لم يعودوا موجودين بها من الأساس، انتهت معرفتي بهم في ظروفٍ متباينة تماماً، فتلك سافرت في بعثة إلى كندا وانقطعت عن الاتصال، وهذا قد افتعل شجاراً تفسخت صداقتنا في إثره، وهذه تزوجت وأنجبت ولم يعد لديها الوقت للخروج وملاقاة الأصدقاء، وغيرهم ممن لم يقدروا العلاقات حق قدرها، فارتكبوا بحق صداقتنا الكثير من الخذلان.

وبالرغم من إيماني بأن الناس في حياتنا محطات، ما تلبث قطارات الحياة أن تفرقهم عنا، ورغم يقيني بأن حياتنا لا تقف على أحد أو على شيء، وبأن الإنسان مفطور على القدرة على النسيان ليُكمِل حياته في سلام من دون أن يظل حبيس آلام الماضي، إلا أنني قد شعرت بالفقد الشديد! نظرت إلى حياتي الاجتماعية في نهايات 2016 لأجدها خالية تماماً من البشر، اللهم إلا من أختي وأمي وصديقين مقربين، أشخاص يمكن أن نعدهم على أصابع اليد الواحدة، واندهشت كثيراً من نفسى، أنا تلك الفتاة الاجتماعية التي كانت تكوِّن الصداقات في لمح البصر لم يعد لها صداقات كثيرة، ورغم هذا لا تطمح إلى تكوين جديد منها، بل ولا طاقة لها بالانخراط في علاقات من أي نوع، مُستَهلَكَة حد التعب، تجد في الوحدة راحة نفسية كبيرة، وتقضي أكثر أوقاتها بصحبة الكتب، كيف لهذا التغيير الجذري أن يحدث في عام واحد فقط؟! أنا أذكر بوضوح أنني قد خطوت بقدميَّ في عام 2015 وحياتي عامرة بالأشخاص، والآن لم يبقَ في حياتي سوى 4!

دفعني هذا إلى التفكير في كل نواحي حياتي، فجلست مع نفسي لأفكر ما الذي يمكن أن يكون قد تغير أيضاً فيها خلال هذا العام، راجعت كل نواحيها بحذر، لأجدني قد صرت شخصية مختلفة تماماً في عام واحد فقط! أصبحت أكثر قلقاً وخوفاً، خصوصاً فيما يتعلق بالمستقبل، حيث أضحيت أراه ضبابياً غامضاً غير واضح الملامح، بالرغم من نجاحي على الصعيد المهني نجاحاً ليس بالقليل بفضل الله تعالى، أصبحت أكثر انعزالاً ووحدة بسبب خذلانات حياتي المتكررة في البشر، بالرغم من وجود آخرين حولي يهتمون بشأني ويمنحوني من الحب ما يكفي لتعويض الإحساس بالفقد والوحدة جراء هذه الخذلانات، أصبحت أكثر وحشة وغربة في وطني، جراء ما ينتشر في أوردته من فساد وتخريب، بالرغم من أن حبه لا يزال يملأ فؤادي وإن أنكرته لجوره عليَّ في بعض الأحيان، أصبحت أكثر حزناً، ولكنه حزن هادئ، يقبع في أغوار النفس من دون أن يمنعني من مواصلة الحياة، أصبح وجهي أقل إشراقاً، تبدو علامات الإرهاق والتعب عليه وكأنني في الستين من عمري، مع أنني لم أتمّ الرابعة والعشرين بعد! لم أعد أخرج كثيراً، بل إنني لا أذكر آخر مرة جلست فيها على كورنيش البحر في مدينتي الجميلة لأشعر بنسماته الباردة تنعش أنفاسي، حتى قائمة الموسيقى التي أستمع إليها على هاتفي المحمول، أصبحت موسيقى كلاسيكية هادئة، واختفى منها الصخب والبهرجة بشكل كبير.

(2)
هالني الموقف كثيراً، وشعرت أنني أتحول لشخص آخر لا أعرفه، تساءلت في نفسي "يا إلهي ما الذي أصبحته؟! وأين الـ"أنا" التي كانت منذ أعوام مضت؟ أين ابتسامتي التي لم تكن تختفي؟ وإلى أين تسير بي الأيام؟" ولم أجد إجابة عن كل هذه الأسئلة سوى بكلمة واحدة... النضج!

مع مرور الوقت، يأتي النضج كضيف جديد على حياتنا، يتسرب إليها على أطراف أصابعه بهدوء شديد، ويتوغل في كل نواحيها من دون أن نشعر به، فيتمكن من مشاعرنا ومن نظرتنا للأشياء، ويقضي على البراءة التي كانت تُغلِّف انفعالاتنا وتصرفاتنا تجاه الأشياء، تلك التي تجعلنا نفرح بكل ما أوتينا من قدرة على الشعور بالفرح تجاه أبسط الأشياء، ونحزن إلى أن يفيض بنا الحزن عن آخره حتى يزول ليعود الفرح من جديد، ونحتد في غضبنا على من نحب لأنهم رحلوا، ومع هذا نوقن إنهم لا بد وأن يعودوا لنا لا محالة.

لا نقلق بشأن ما ينتظرنا في المستقبل، يشغلنا حاضرنا فنعيشه بكل لحظة فيه كأنه لا شيء بعده! يأتي النضج ليصيبنا شيئاً فشيئاً بالفتور، ليصبح كل شيء عادياً، فلحظات الفرح سرعان ما تذبل لأننا قد اعتدناها، والحب لم يعد بنفس الحرارة والاتّقاد، والحزن هادئ بسيط، فقد أدركنا أنه جزء لا يتجزأ من الحياة، ويغلُب علينا القلق من الغد، فنتمادى في الركض خلفه من دون أن نعبأ بالتعب الناجم عن هذا الركض المستمر لمسافات لا تبدو لها نهاية، نصبح مسؤولين عن أنفسنا وعن غيرنا في كثير من الأحيان، بعد أن كنا مسؤولين من آخرين! يصبح أكثر الأمراض فتكاً بنا هو الوحدة، بالرغم من وجود كثيرين حولنا، نصبح أكثر خواءً واهتماماً بالمادة، ونعتاد الفقد والوحشة والألم، فتمر بحياتنا مرور الكرام، دون أن نقف عندها ولو للحظة، يصبح التعب رفاهية لا نقدر على تحمُّل تكلفتها، فماذا عن المسؤوليات والأعمال التي نحملها على ظهورنا؟! نكمل الحياة من دون الانتباه لهذا الشيب الذي يتسلل إلى القلوب قبل الرأس رويداً رويداً، وتَسِم عيوننا شعلة خافتة من الحزن، وتغلِّف شفاهنا ابتسامة هادئة تُشبِه ابتسامات جداتنا وأجدادنا العجائز الطيبين حينما كانوا يحكون لنا قصصاً من ماضيهم حول نار المدفأة التي غطاها الغبار الآن بمنزلنا القديم.

نعم، لقد أصبحنا كباراً من دون أن نعي هذا حتى، وأصبح الشعور بالحزن والتعب والفرح رفاهيات لا نقدر عليها، هكذا يمكن لعام واحد فقط أن يُغير من المرء، إذا ما تخلله ذلك الوحش الذي خدعونا بنعومته وجماله صغراً، المُسمَّى بالنضج!

(3)
"أتمنى أن أبكي وأرتجف، ألتصق بواحد من الكبار، لكن الحقيقة القاسية هي أنك الكبار!"
د. أحمد خالد توفيق

(4)
حين داهمت هذه الأفكار كلها رأسي، قمت من فوري لأكتب هذا المقال، مقررةً أن أعيد حساباتي بشأن الأشياء، وألا أسمح للجانب القاسي من النضج أن يتسلل إلى قلبي، قررت أن أدخل العام الجديد بقلب لا يزال يحمل من البراءة ما يكفي ليجعله يشعر بكل شيء، وكأنما هو في أول عهده به، قررت أن أعود لتكوين الصداقات والشعور بالحب والسعادة من جديد، قررت أن أسمح لنفسي بفترة قصيرة من النقاهة، لأعود كما كنت، بل وأكثر بهجة وإشراقاً، قررت أنني أرغب في رؤية فيديو نهايات 2107 وأنا على أعتاب 2018 ممتلأ بالابتسامات، وبأناس لا يزال لهم في حياتي مكان، وقررت أن أكتب لكم هذا المقال لأقول إنه قد حان الوقت لأن تفعلوا مثلي، لأن تُكاشِفوا أنفسكم وتصارحوها وتتصالحوا معها، ولتعيدوا إليها البريق من جديد!.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.