المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

النداء الأخير

تم النشر: تم التحديث:

"1"

أتخيله ينظر من نافذة منزله، يحاول ألا ينظر إلى الدماء التى تُغرِق شوارع مدينته التي كانت يوماً ما جميلة، يُصوب أنظاره إلى السماء، يعجز لسانه عن الدعاء، لكن قلبه يقول كل شيء، يرجو رحمة ربه، فتلمع مقلتاه بالدموع التي تزيد، فلا يعرف كيف يوقفها عن الانهمار، يعود إلى مقعده أمام الطاولة الصغيرة التي لطالما ألفت رائحة أوراقه وتشبعت من قطرات حبر أقلامه المتساقطة رغماً عنه؛ ليجلس جلسةً أغلب الظن هي الأخيرة، يبحث عن حفنة من الأوراق وقلم ليكتب رسالة أخيرة إلى العالم، لكن لا وقت لهذا، لربما يقتحم الجنود منزله الآن ويقطعون رأسه قبل أن يفتتح رسالته بالبسملة حتى، أو ما تبقى من منزله.

أتخيله يفتح هاتفه الذكي، يُطالِع صور ابنته ذات الضحكة الأرق والأكثر براءة في العالم، يُغلقها سريعاً مُذكِراً نفسه أنه لا يوجد وقت لكل هذا، يجب أن يحاول إيصال صوته للعالم ولو لمرة واحدة أخيرة، لربما يكون هذا هو النداء الأخير..

أتخيل كل هذا وأنا أرى رسالة أحد المواطنين السوريين الإلكترونية، وقوات الأسد على بُعد 300 متر فقط منه، شعرت بقطرات الدموع الساخنة تغطي وجنتيّ، وتمنيت لو أستطيع أن أنقذه، تمنيت لو أمتلك أقوى وأعتى الأسلحة والجيوش في العالم؛ لأذهب بها إلى هناك، ولأحارب كل من تسول له نفسه إراقة الدماء على أرض سوريا الطاهرة، لكني لا أملك شيئاً من هذا، لا أملك حتى أن أضم ابنته الجميلة بكل قوتي؛ ليتسرب الألم من أَضلعها إلى ضلوعي، لأحمله وحدي عنها، فلا يُكسَر قلبها البريء مذ هذه السن المبكرة، لا أملك شيئاً سوى الدعاء، فنظرت إلى الرب بخشوع، واستحلفته باسمه الأعظم الذي لا يُرد معه دعاء، أن يجيرنا في مصيبتنا خيراً منها، وأن يربط على قلوبنا كما ربط على قلب أم موسى، عليه السلام، وأن يرزقنا القدرة على التحمل؛ لأنه لم يعد بنا طاقة لتحمل كل هذه الدماء المُراقة، وأن يقبل الحزن المتمكن من روحي وأرواحهم ويبدلنا به فرحاً، وأن يتغمد شهداء الأرض جميعاً برضاه، وأن ينزل علينا من رحمته وسكينته ما يسع الأرض كلها، استحلفته أن يجعلنا نتوقف عن الاقتتال، فلا أحد أدرى بصفات البشر منه، وهو وحده القادر على أن يوقفنا عن هذه المهزلة الإنسانية التي نرتكبها بحق أنفسنا وبحق الآخرين، هو الوحيد القادر على أن يسمع نداءاتنا جميعاً، حتى ولو كان نداءً أخيراً!

"2"

تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية والمواقع الإلكترونية بتحليلات كثيرة عن الوضع في سوريا، منها ما يُحلل الوضع على أنه انتصار نهائي للقومية التي فقدت ظلها منذ بدء الحرب، ومنها ما يخلُص إلى أن الثورة قد ضاعت باجتياح الأسد لحلب، كلها تحليلات عقلانية وإن كان يفتقر الكثير منها -وليس كلها طبعاً- إلى الموضوعية، ففي النهاية تتدخل نزعات الكاتب وأهواؤه رغماً عنه لتملي عليه ما يكتبه، وتصطدم رؤيته للأحداث بإدراكه الشخصي للواقع، وليس هذا بالعيب، ففي النهاية حرية الكتابة مكفولة للجميع، والتحليلات على تنوعها وكثرتها تسهم بشكل كبير في بلورة الموقف غير المفهوم بالمرة، ولكن يبقى السؤال: أين أهالي سوريا من هذه التحليلات؟! الكثير -وليس الكل- لا يعيرهم أي اهتمام، لا أحد يعبأ بهم!

كان أحد أشد هذه التحليلات استفزازً لي تحليلاً يجزم فيه كاتبه بأننا أمام اختيار صعب للغاية، ما بين الفاشية القومية وما بين الفاشية الدينية، وبرغم صعوبة القرار فإنه يجب أن نختار، يجب أن نقرر ما الحل، ولا حل سوى دعم نظام بشار؛ لأن القومية وإن كانت فاشية هي أقل خطراً من الفاشية الدينية التي ستعود بنا إلى الوراء آلاف السنين، فالقومية هي أول خطوة على الحداثة، وقبول ديكتاتور ظالم أخف وطأة من قبول ديكتاتور ظالم يحكم باسم الدين، وأن من يرفض واقع مجازر جيش النظام الحاصلة في سوريا ما هو إلا إنسان مثالي غير واقعي، لأن البرجماتية تحكم المشهد الآن!

لا أعرف حقاً أي قومية تلك التي يُدافع عنها في ظل تكُون جيش النظام السوري من عناصر إيرانية وروسية تدخلت في المنطقة لحسم الصراع لصالحها الخاص، وليس دعماً للقومية أو للشعارات الرنانة التي لا يصبح لها أي معنى أمام المصلحة! لا أعرف حقاً إلى أي مدى يمكن أن ينحط الإنسان في تحليله لمشهد دموي إلى هذا الحد، مجرداً نفسه من الشعور، واضعاً إنسانيته في علبة من ذهب في خزانته؛ لأنه لا وقت لها الآن، لأن البرجماتية فقط هي من يجب أن يكون له الكلمة الأخيرة! يمكن لهذا أن يحدث -في نظري- في سياق عدم وجود مدنيين عُزل يُقتلون بلا هوادة، في سياق عدم وجود استغاثات لوقف الدماء فحسب، في سياق عدم وجود آلاف اللاجئين في كل بقاع الأرض، ومئات المحاصرين، مئات يجلسون في انتظار الموت، مئات يتساءلون هل يقبل الله قتلنا لنسائنا حتى لا يتم اغتصابهن أمام أعيننا؟! مئات يطلبون الموت، ليقابلوا ربهم، الأكثر رحمةً بهم من العِباد، مئات لا ذنب لهم، فلا هم في صفوف المعارضة ولا هم في صفوف قاتل الحرب المجرم بشار، في سياق البحث عما يعتمل برؤوس المتمسكين بالأمل في عودة سوريا إلى الحياة، وفي إرسال الرب لمعجزة قد تنقذ حياتهم، وفي عودة المغتربين إلى أرض، في سياق إدراك باقي ديكتاتوريي المنطقة للوصفة المثالية لبقاء العروش، في سياق انهيار الحديث عن مجموعة المبادئ الخاصة بالتدخل الإنساني التي فلق المجتمع الدولي رؤوسنا به!

الكثير مشغولون بتفسير الوضع حسب الرؤى التي يرتضونها، مُنظرين لها بينما يشاهدون نوافير الدماء السورية تعمل ليل نهار، بل ويسلطون بقاعاً ملونة من الضوء عليها، ويلعبون في خلفيتها موسيقى كلاسيكية ناعمة، ليحولوها إلى نوافير راقصة! يقولون كلامهم النظري من أبراج عاجية عالية، دون أن تتلوث ملابسهم بدماء الناس، وأغلب الظن أنه لا وقت الآن للتنظير، الآن هو وقت إيقاف شلالات الدماء، الآن هو وقت أن تتخلل مشاعرنا الإنسانية أحكامنا، أن نحكم بالإنسانية لا بالعقول!

"3"

"الليلة، وكل من في البيت نائم، والصباح وشيك، أسأل سؤالاً لم تجد لي الأيام جواباً عليه حتى هذا المساء:
ما الذي يسلب الروح ألوانها؟
ما الذي غير قصف الغزاة أصاب الجسد؟!".

رأيت رام الله - مريد البرغوثي

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.