المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

المرض النفسى ورومانسيته الزائفة

تم النشر: تم التحديث:

"1"

هى فتاة جميلة للغاية، تأخذك ابتسامتها لعوامل سحرية ما إن تقع عيناك عليها، ابتسامة يستحيل معها أن تظن ولو لوهلة أن صاحبتها تعاني من أي أزمات نفسية، ابتسامة تُعمي عينيك عن الصراع القائم بداخلها!

"ن"، تبلغ من العمر 24 عاماً، تعاني القلق المرضي والاكتئاب ثنائي القطبية وتقوم بإلحاق الأذى بنفسها جسدياً فيما يُعرَف في علم النفس بالـ"self harm"، خضعت "ن" للعلاج النفسى فترة ليست بقصيرة، لكنها توقفت بعد أن حاولت الانتحار مرتين متتاليتين بأدوية علاجها من الاكتئاب.

تحدثت إلى "ن" كثيراً عما تعانيه، عن خوفها من كل شيء محيط بها، من الناس والأشياء وحتى من نفسها، وشرحت لي كيف أن الاكتئاب ثنائي القطبية يصنع من الإنسان شخصين متناقضين يظهران في أوقات متباعدة أو متتابعة في غفلة منه، فهو إما شديد الحركة كثير الكلام، إما يقبع في صمت رهيب لا نهاية له، وما يلبث تتحسن حالته ويظن أنه قد وصل إلى مرحلة الشفاء حتى يستعر وحش الاكتئاب من جديد، ويخرج ليفتك بكل السلام النفسي الذي جاهد للوصول إليه.

قالت "ن": "لم يستطع أحد أن يفهم الحالة التي أمر بها ومدى صعوبتها، لم يفهموا أن المرض النفسي هو سبب رسوبي لعامين متتاليين في الجامعة، وأنه السبب في سوء حالتي الصحية العضوية، وإن القلق المرضي كان سبباً في تغيير هرموناتي وإصابتي بورم الفايبرو إديتوما، فضلاً عن إصابتي بالقولون العصبي، لقد كانت هذه أكثر الفترات سوءاً في حياتي!".

"2"

سلمى دحروج تعاني اضطرابات القلق العام واكتئاباً مزمناً واضطراب الوسواس القهري.

روت لي سلمى رحلة علاجها المريرة التي بدأت منذ عامين، فقد حاولت بشتى الطرق أن تكون طبيعية لكن المرض كان يسحبها دائماً إلى هوة الاكتئاب السوداء التي تود أن تهرب منها بشدة، ويصيبها بالأمراض العضوية ونوبات الهلع المستمرة، ورغم كل تلك المحاولات ما زال شبح المرض النفسي يطاردها، خصوصاً مع عدم ارتياحها لأي طبيب نفسي قصدته للعلاج، وما أكثرهم! فمنهم من يسخر من نوبات هلعها ومنهم من يهاجمها ويحكم عليها بسبب التصرفات الناجمة عن اكتئابها من محاولات للانتحار وإيذاء النفس جسدياً!

تقول سلمى: "أن تكون مريضاً نفسياً يعني تؤذي نفسك بنفسك بدون أدنى إرادة منك، ودعيني أخبرك بسر، إن العجز أمام المرض ليس بمحمود على الإطلاق".

"3"

دعاء عبد الفتاح تم تشخيصها بالاكتئاب المزمن ومرض البارانويا والاضطراب ثنائي القطبية منذ عشر سنوات، وما زالت تخوض حربها الشرسة ضده، حاولت أن تستمر في العلاج، لكنها فشلت لأسباب كثيرة، أهمها سوء الأطباء النفسيين واستخفافهم بالمرضى وبالعلاج، عانت كثيراً من انخفاض قدراتها الذهنية بسبب المرض من حيث قلة التركيز والقدرة على التذكر، ولكن الأشد عذاباً كان نوبات الغضب التي قد تؤدي بها لإيذاء نفسها أو أحب أحبائها بدون القدرة على التحكم في هذا، فضلاً عن الآثار النفسية الناجمة عن الاكتئاب مثل الانطواء والانسحاب من الحياة العامة وعدم القدرة على العمل أو الإنتاج وفشل العلاقات الاجتماعية والأرق المستمر ونوبات الهلع.

"4"

أما "أ" تحكي عن معايشة شخص يعاني المرض النفسي، فقد كانت أختها مُصابة بالوسواس القهري، وقد ساء بها الأمر حد يقينها من إصابتها بمرض عضوي خطير للغاية، وكل العائلة كانت تصدقها نظراً لعملها كطبيبة! إلى أن تكشفت الحقيقة واتضح أنها لا تُعاني من أي أمراض عضوية وإنما من الوسواس القهري.

رفضت شقيقة "أ" العلاج النفسي رغم تشخيصها بالاكتئاب والوسواس القهري معاً، ومع مرور الوقت ساءت الحالة بشدة لدرجة عدم قدرتها على الانتظام في العمل، وكلما استفسر مديروها عن الوضع تختلق لهم المعاذير، رافضةً بذلك أن تُصرح بحقيقة مرضها خوفاً من تأثير هذه المعلومة على تعيينها المُرتقب في الجامعة؛ لأن الكثيرين لا يؤمنون بأن المرض النفسي هو مرض عضوي بالأساس وينظرون للمريض النفسي على أنه مجنون هارب من الخانكة.

تحكي "أ": "إنه لشيء مرهق جسمانياً ونفسياً بشدة أن تعيشي مع مريض نفسي، وأن تجدي أحب الأشخاص إلى قلبك ينطفئون ويفقدون بريقهم فجأة وبسرعة شديدة دونما قدرة على إنقاذهم. كانت أكبر مشكلاتنا هي عدم معرفتنا بكيفية التعامل معها، فهل نضغط عليها لتخضع للعلاج وتعود للحياة أم نتركها كيفما شاءت وستتحسن حالما تُترك وشأنها، كما أن البكاء أمامها في حالتنا رفاهية! فمن اللازم أن نظهر دائماً أمامها أقوياء نسيطر على الموقف وقادرين على احتضانها واحتوائها، للأسف كان الأمر يصل بي في بعض الأحيان إلى الرغبة في الهروب من المنزل وعدم البقاء فيه مُطلقاً".

"5"

منذ فترة كبيرة أرى منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن المرض النفسي على أنه شيء محمود الحدوث للإنسان، منشورات تجعل من الوحدة والاكتئاب والوساوس القهرية والخوف والقلق أشياء تسمو بالإنسان، منشورات تصنع من المعاناة والآلام تطهر من الآثام، وتحيك من نوبات الهلع خيوطاً من ذهب تجذب الأنظار، وما أن يلمسها أحدهم حتى تُمسك بتلابيبه وتخنقه بنعومة وببطء حتى تفتك به على مهل، آخرها كان منشوراً به صور لفتاة شوهت جسدها حرفياً بسبب قيامها بإيذاء جسدها من خلال جرحه بآلات حادة، مصحوباً بتعليقات تتغزل في جمالها وحلاوة صنعها، وكأنها قد خبزت كعكة!

حقيقةً، استفزتني هذه المنشورات بشدة، وجعلتني أتواصل مع الكثير من ضحايا المرض النفسي؛ لأنقل معاناتهم، ولأثبت أنه لا شيء وردي إطلاقاً في أن تكون كئيباً، وأن الاكتئاب لا يُنزِل بأحد حكمة الله في الأرض، ولا يخول أحد لارتداء ثوب رهبان التبت والتفوه بكلام عن العُمق والمعاني والوجودية، وإنما يقتل، فالاكتئاب مجرم لا يرحم، مثله مثل باقي أنواع المرض النفسي على اختلافها.

ولأستطيع أن أرى الأمور بزاوية أعمق، تواصلت مع الدكتور أحمد أبو الوفا، إخصائي الطب النفسي، لكي أفهم دوافع أولئك الذين يزينون شرور المرض النفسي ويصنعون منه أسلوب حياة واجب الاتباع، وبسؤاله قال:

"يوجد في الطب النفسي ما يُعرف بالوصم، بمعنى أن يكون الشخص موصوماً بالمرض، وهذا الوصم يُعد جزءاً من هوية أي مريض، بعض الأشخاص يتخذون من هذا الوصم هويتهم بالكامل فيصنعون منه المحدِد الأساسي لحياتهم وشكلها، وهذا في الغالب يكون لتحصيل مكاسب ثانوية أو شخصية تتأتى عليهم من خلال تسويقهم للمرض على أنه شيء جميل، مثل الشهرة أو الحصول على اهتمام الآخرين. وبشكل عام فإن تسويق المرض النفسي على أنه شيء محمود في حياة الشخص القائم بهذا شيء غير صحي من الممكن تصنيفه كاضطرابات شخصية.

ينتُج عن هذا التسويق الوردي للمرض النفسي أضرار كثيرة، بعضها يعود على القائمين بهذا التسويق، فقد يصيبهم المرض بالفعل في أحيان كثيرة من كثرة ادعائهم لوجود المرض في حياتهم وتحاكيهم بآثاره المحمودة وشدة تعايشهم معه، وبعضها يعود على المرضى الحقيقيين، حيث يقلل التقليل من آثار المرض النفسي وخطورته من معاناتهم أمام الأصحاء، ويبدأون في عدم أخذ المريض النفسي الحقيقي على محمل الجد، فنجد من يتهمون المرضى بأنهم يتدعون أو يمارسون دلالهم ليحظوا ببعض الاهتمام، وتنقض الثقافة النفسية التوعوية التي نحاول نشرها بين الناس والتي تحاول تغيير مفاهيمهم المغلوطة عن الاكتئاب مثلاً بأنه دلال أو ابتعاد عن الله أو محاولة بائسة للحصول على الانتباه أو لعبة لخلق دراما غير حقيقية أو حتى جنون، وإنما هو مرض عضوي ينتج عن خلل بكيمياء المخ، فضلاً عن تشويه مصداقية تجارب المرضى ورحلة علاجهم، هذا بالطبع إلى جانب الأضرار العائدة على غير المرضى المتابعين لأولئك الذين يروجون للمرض النفسي على أنه عمق وحكمة أو جمال مطلق، فهؤلاء قد ينظرون إلى المرض على أنه تجربة جديدة يمكن خوضها لتضفي على حياتهم بعض مما يتحاكى به أولئك الذين يحمدونه، فيتوهمون الإصابة بالمرض ويصابون بجزء منه فعلاً إذا طال توهمهم هذا، دائرة لا تنتهي!".

من كل هذا يتضح أن الفرق الحقيقى بين من يتمارض وبين من يكابد آلام المرض النفسي هو أن الأول يتفاخر بمرضه، أما الثاني يعترف به ويتفاخر بسعيه للشفاء منه، المرضى الحقيقيون يطلبون المساعدة أما المتمارضون يطلبون الظهور!

أتمنى أن يكف أولئك المتمارضون عن تشويه حياة المرضى الفعليين، فيكفي عليهم مجتمعهم الذي يُحقر من شأنهم والأطباء الجهلاء، وفوق كل هذا أنفسهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.