المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

بلاد اللامنطق!

تم النشر: تم التحديث:

(1)

نشأ أول نادى روتاى فى شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1905، ويعنى اسمه التناوب، ذلك لأنه تقرر عقد اجتماعاته بصفة دورية، هدف به مؤسسه إلى خدمة المجتمع الذى يقع النادى فى دائرته، وخدمة أعضائه من خلال توثيق الصلات بينهم.
تطورت نوادى الروتارى وتوسعت لتنطلق خارج حدود الولايات المتحدة، ولتتكون روابطها فى بلاد آخرى منها مصر، لتتعدد فروعه فى كل أنحاء الجمهورية، متكوناً من الطبقات العليا من شعبها، أو ما نطلق عليهم
"La crème de la crème"

وأصبح اهتمامهم الأول والأساسى هو تقديم الخدمة المجتمعية غير الساعية للربح، باعتبار النادى نوع من أنواع منظمات المجتمع المدنى التى لم تكن متبلورة بما يكفى فى تلك الآونة، وأصبحت تتبع وزارة الشئون الاجتماعية وتعمل بإشرافها إلا إن تلك التبعية لا تتعدى الشكل الرسمى فحسب.
ورغم علمى بعدم انخراط نادى الروتارى فى الأمور السياسية طبقاً للوائحه التنظيمية فى العالم كله، إلا إن اعضائه فى مصر تحديداً دائمى الانخراط فى السياسة، فأغلبهم من النواة المُكوِنة لمؤيدى النظم الحاكمة الحامية لمصالحهم بالدرجة الأولى، حتى وإن تطلب هذا التأييد التصفيق الأعمى للقمع والقتل والاختفاء القسرى وبيع الآراضى المصرية تحت شعار "تحيا مصر"،هم دائماً على يقين بإن من دونهم فى الطبقات غوغائيون لا يفقهون شيئاً، ورغم إنهم يجتمعون بصفة دائمة فى مزادات علنية وخيرية من أجل انقاذ هذه الطبقة الغوغائية المطحونة إلا إنهم على أتم استعداد للتصديق بحتمية أفاعيل الحاكم الأوحد العظيم الظالمة فى هذه الطبقات المغبونة، وهو شىء غير منطقى بالمرة، لكن ما هو المنطقى فى بلد مثل مصر أساساً؟

(2)

أقلب بين المحطات التلفزيونية بملل شديد، لتقع عينى على أحمد موسى الإعلامى العبقرى فى برنامجه المعروف، هممت لأقلب المحطة إلا إن أذنى التقطت صوت لامرأة فى البرنامج، يتضح من نبرتها إنه اتصال هاتفى، تعلن فيه بجماس شديد إنها قد ابتاعت بحوالى 300 جنية مصرى "مية نار" لترشها على متظاهرى 25 إبريل، ورغم صدمتى الشديدة من وجود مثل هذا التفكير والتخطيط السادى تجاه بعض الناس الذين ما أرادوا إلا التعبير عن وجهة نظر مختلفة، إلا إننى أندهش من أن يصل الأمر بمؤيدى النظام إلى هذا الحد، وتذكرت منشور قد كتبه عمر طاهر منذ فترة طالباً عدم الدعوة إلى استفتاء شعبى على موضوع جزيرتى تيران وصنافير خوفاً من أن تُدلى الجموع المؤيدة للنظام بموافقتها على بيع الجزر للمملكة السعودية، وتذكرت الاستماتة فى دفاع الكثير من المصريين عن سعودية الأرض رغم مصرية سيادتها لمجرد موافقة النظام فى قراراته، بالرغم من إنه من الطبيعى أن يدافع المصرى عن أى مُكتسب لبلاده، وإنه من غير المنطقى بالمرة أن يفضل مصلحة دولة آخرى على المصلحة الخاصة بوطنه فى علاقاته الدولية، ولكن ما هو المنطقى فى بلد مثل مصر أساساً؟

(3)

أركب المكيروباص عائدةً إلى بيتى بعد يوم طويل وشاق، لأتفاجأ بزيادة الأجرة جنيهاً كاملاً مع إنها كانت بالأمس فقط جنيهان، وبسؤال السائق أوضح إنه ليس له حيلة فى هذا لأن "كل حاجة بتغلى يا آبلة والبلد حالتها فى النازل"، ليجيبه سيدتان تجلسا خلفى بإن المأزق الاقتصادى شىء لابد منه فى تلك الظروف القاسية التى تمر بها مصر وفى زوبعة المؤامرات الخارجية التى تُحاط ضدها من "أهل الشر" فى كل بقاع الدنيا، وإن إيماننا بجنرالنا هو الذى سيجعلنا نتخطى الأزمة حتماً بكل أريحية، وبدلاً من إهدار طاقتى الإنسانية فى النقاش، دفعت الجنيه الثالث صاغرة، مُنتظرة أول الشهر بفارغ الصبر، فمن غير المنطقى محاولة إقناع أحدهم بإن الاقتصاد المصرى لن يعبر أزمته وهو محكوم بعصابة مسلحة تنهبه كل يوم عشرات أضعاف الأيام السابقة، ولكن ما هو المنطقى فى بلد مثل مصر أساساً؟

(4)

خرجت جموع من الشعب المصرى فى ال25 من إبريل احتفالاً بتحرير سيناء، وسط أجواء كرنفالية برعاية "تسلم الأيادى" وفى حمى الجيش "حامى الثورة والمنشآت"، فداهمت عقلى تساؤلات لم أجد لها أى إجابة، فمنذ متى يخرج الناس للاحتفال بتحرير سيناء؟ وما الدافع وراء الخروج للاحتفال أصلاً؟ وكيف يمكن لأحد أن يتراقص فرحاً ويغتال طرباً بمؤسسة قد ساهمت بشكل أو بآخر فى التفريط فى جزء من الأرض المصرية قاضيةً بهذا على أسطورة حماة الأرض الأبطال النينجا ترتلز خير أجناد الأرض؟ كيف لعلم السعودية أن يخفق عالياً على أرض مصرية، ليس على الجزرتين فحسب بل بين جموع من الناس الموقنيين بسعودية الأرض فى الجموع المُحتفِلة بتحرير سيناء؟ كيف يُرفع علم السعودية فى يوم تحرير سيناء أصلاً؟ إنه لشىء غير منطقى بالمرة أن نحتفل بضياع جزء من الارض التى بذل الجنود الأوائل دمائهم من أجلها، ولكن، ما هو المنطقى فى بلد مثل مصر أساساً؟

(5)

أتصفح الفيسبوك كعادتى، لأجد فيديو لامرأة تتحدث فيه عن "المخربين" "المحرضين" "ذوى المُحن الثورى" الساعين لإفساد البلاد وتفعيل المؤامرات الخارجية عليها، الراغبين فى الخروج للتنديد ببيع الأرض والمطالبة بمصريتها، مُتهِمتةً الشباب منهم بالفساد الأخلاقى والفتيات منهم بالعُهر والعنوسة والطاقات السوداء الشريرة الداخلية المحمومة العارمة، وتقوم فيه بتحية الرئيس العظيم الذى حمى البلد واتسردها من أيدى العابثين الحاقدين، مؤكدة على إن مصر "راجعة" مع إننى لا أعلم أين ذهبت أصلا، مُصرةً على إن مصر "باقية" أبد الدهر رغم أنوفنا جميعاً، إنه من غير المنطقى أن يصبح المطالب بالأرض حاقد وعابث وفاسد، كما إنه من غير المنطقى أيضاً ان يكون للشعور بالوطنية من عدمه علاقة بالعنوسة،ولكن، ما هو المنطقى فى بلد مثل مصر من الأساس؟

(6)

كنت أظن قبل أن أرى ما دفعنى لكتابة هذا المقال إن أى مناصر لنظام مثل الذى يحكمنا الآن هو شخص وصولى أو منافق أو راغب فى الحصول على منصب ما أو من طبقة عليا أمثال "باشاوات وسيدات نادى الروتارى" تسعى للحفاظ على مصالحها الشخصية، لكن بعد كل ما سردت من مواقف سابقة، أظن إننا بصدد أناس يؤمنون حقاً بالمؤسسة الحاكمة وبكل ما تتخذه من إجراءات بطريقة عمياء لا نقاش فيها، هم يؤمنون فعلاً بإن المؤامرة على مصر تأتى من كل من تسول له نفسه أن يعترض على كل ما هو غير منطقى، يؤمنون بضرورة القتل والتعذيب وبحملات القبض العشوائى والاختفاء القسرى وببيع الأرض، يؤمنون بالتقشف وبعودة الجنية إلى مكانته أيام الملكية وبأهل الشر، يصيحون بكل ضراوة "وبكرة تشوفوا مصر"، ورغم إنهم لا يرون شيئاً أبداً إلا إن لديهم إصرار عجيب لا أفهم كنهه بإننا جميعاً سنرى، ومع إن الدولة الباطشة لا تُفرق بين مؤيد ومعارض، ومع إنهم على اختلاف طبقاتهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية يتعرضون للقمع بشكل أو بآخر منها إلا إنهم يتبعون نهج اللص الذى قام بدوره الممثل محمد شرف فى فيلم زكى شان حين طلب من أحمد حلمى صفعه مراراً وتكراراً قائلاً "اضرب كمان عايز اتوب".
يمتازون بمرونة رهيبة وقدرة غير عادية على تبرير كل وأى شىء للسلطة مهما بلغ سوءه، يعشقون قائدهم "الدكر" القادر على سحق أعدائه وعلى القتل وارتكاب الأفعال العنيفة، حتى لو تم ذلك خارج إطار القانون أو حتى العُرف، يحتكرون الحق والصواب، يحتقرون من يظن أنه قادر على الإدلاء بأى رأى يخالف صوابهم وحقهم، يرفعون أعلام السعودية فى مواجهة أعلام بلادهم ويلقبون من لا يرفعها بالخائن، وهو شىء غير منطقى بالمرة، يجب أن تتوجه أنظار علماء النفس لدراسته، ولكن، ما هو المنطقى فى بلد مثل مصر من الأساس؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.