المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

ماذا حدث للمصريين؟!

تم النشر: تم التحديث:

(1)

توقفتُ منذ مدة أيام عن متابعة حيثيات قضية الشاب الإيطالي المقتول "ريجيني" في مصر، بل توقفتُ عن متابعة أغلب القضايا المُتعلقة بالقتل والاختفاء القسري، نظراً لما يعتريني من إحساس بالعجز والقهر جراء كثرة المواقف وتشابه المشاهد ومعرفة الفاعل، إلا أنني هذه المرة لم أستطع أن أتحاشى النظر إلى لفظ "تصفية" الذي يغلب على عنواين الأخبار المُتعلقة بهذا الموضوع..

لم تكن هذه المرة الأولي التي أقرأ فيها هذا اللفظ، فقد وردت عليَّ مراراً أخبار مُختلفة تتعلق بـ"إنجازات" الشرطة المصرية في التخلص من المجرمين تُستخدم فيها كلمة "تصفية"، ورغم عدم ذهولي من سهولة قيام الشرطة بتطبيق الكلمة بشكل فعلي، حيث تمارس القتل العمد بدون تحقيق أو أدلة وأحياناً بدون مناوشات بينها وبين "المجرمين"، إلا أن سهولة استخدام الكلمة في عنواين الأخبار وتداولها بين الناس أثار الذعر في نفسي الضعيفة، فكيف للمرء أن يستيقظ صباحاً ليتناول إفطاره ويخرج لعمله ويقابل زملاءه مُتحدثاً معهم في خبر "تصفية" مشتبه فيهم ببساطة وبكل أريحية؟ كيف أصبحت هذه الكلمة مُتداولة بشكل عادى؟ كيف ينطقها المواطنون دون أن يرمش لهم جفن؟ دون أن توخزهم ضمائرهم؟ دون رعب وهلع من مستقبل العيش بدولة يمكن لأي أحد أن "يُصفى" فيها تبعاً لمعايير الشرطة في الإجرام، دون تحقيق أو تقصٍّ أو بحث جنائي، فقط بالقدرة على التصفية.

جعلني تداول هذه الكلمة أتساءل، لماذا لم يقف الكثيرون أمامها؟ لماذا مرَّت علينا مرور الكرام؟ أيمكن أن يتغذى اعتياد القتل على إنسانية المرء لتصبح
جملة مثل "تصفية مشتبه فيه" عادية على وقع سمعه؟

(2)

كنت أنتظر صديقتي بسيارتها ريثما تنتهي من تصوير أوراق المحاضرات، أستمع بغير تركيز وفي ملل وتعب شديدين لمذيع لا أذكر اسمه على محطة إذاعية شهيرة، إلى أن التقطت أذني التساؤلات موضوع الحلقة التي طرحها، فقد تساءل المذيع "لماذا يوجد فرق هائل بين رد فعل العالم على أحداث تفجيرات بروكسيل وبين ردود أفعال المصريين؟"، فالجميع خائفون، يرون المستقبل بسوداوية شديدة، لكن المصري -المعروف دائماً بجبروته وقوته- غير خائف، بل يكاد ألا يعير مثل هذه الحوادث -الجسيمة على العالم العادية على مصر- أي انتباه.

وعلى الرغم من ظنه بأن هذا شيء يدعو للفكاهة والضحك، إلا أن تساؤلاته هذه كانت كافية لأن تصيبني بغصة تعتمل في حلقي، وأن تشعرني بالخوف المُحدق المُحقَق.

لاحقتني تساؤلاته لمدة لا بأس بها، خصوصاً مع تساؤلاتي التي تمخض عنها انتشار جملة "تصفية المشتبه فيهم" بين الناس، بل وتبريرها من بعضهم، وحاولت جاهدة أن أجد تفسيراً شافياً أو إجابة مُقنعة لـ"كيف للإنسان ألا يخاف القتل؟" فلم أجد سوي الاعتياد.

(3)

حينما رأيت عربة الترحيلات تعبر شارع صفية زغلول -بمحافظتي الإسكندرية- لأول مرة، مُحملة بمعتقلين يهتفون بأعلى صوتهم "يسقط يسقط حكم العسكر" مُزلزلين الأرجاء بهتافاتهم، انقبض قلبي وأصابني الاكتئاب أيام كثيرة تالية، لكن بعدها أصبحت أراها بشكل شبه يومي في نفس الشارع، فلم يعد قلبي ينقبض، وصارت تمر أمامي بدون أن يرمش لي جفن، داعية الله أن يرحمنا مما نحن فيه.

نعم يا سادة، إنه الاعتياد، الاعتياد الذي يجعلك تدخل إلى غرفة تفوح منها رائحة نتنة فتشمئز، إلى أن تألفها رويداً رويداً، فتصبح غير كريهة بالنسبة لك، الاعتياد الذي يجعلك تتحمل رئيسك الغبي في العمل، والذي يجعلك تخرج مع أصدقائك إلى نفسي المقهي الذي لا تحبه، لتعود إلى زوجة تشعر نحوها بفتور، بدون أن تقدر على الهرب من هذه الدائرة المُفرغة التي تمسك بتلابيبك بدون أن تدري، وإن كنت أظن أنها أشياء أقل وطأة من اعتياد القتل!

يمكن للإنسان الذي يعتاد القتل ويراه يوميًّا أن تموت فيه إنسانيته وهو غير مُدرك لهذا، فيصبح مثل هذا الفعل الشنيع شيء طبيعي جدًّا في حياته.

إن المصري يختبر الموت كل يوم، فهو يستيقظ صباحاً وهو على ثقة تامة إنه قد يموت في تفجير بقنبلة بدائية الصنع في الشارع مثلاً، هذا وقد تعددت أساليب الموت في بلدي، فلم يعد يستشري بين الناس أي استهجان من القتل، فلدينا من قُتِل في ماتش كرة، وفي الجامعة، وفي المدرسة، وفي أقسام البوليس والمعتقلات، فلم يعد غريباً علينا أن نسمع عن تصفية المشتبه فيهم أو قتلهم بدون التحقيق معهم!

إن التحول الملحوظ الذي يطرأ على إنسانية المصريين شيء يدعو إلى التأمل؛ لأن تبلد الإحساس تجاه القتل هو بمثابة كارثة إنسانية.

ما زلت أذكر ذلك الرجل الذي وقف على بُعد بضعة أمتار يدخن سيجارة وهو يشاهد بأم عينيه مقتل الشهيدة شيماء الصباغ، حيث يظهر في الصور التي تم التقاطها للحادثة إنه يقف بكل لامبالاة، بينما يسير باقي المواطنين من حول جثة شيماء الغارقة في دمائها في بلادة غير مصطنعة! إن هذه الصورة لا تُمحى من مُخيلتي إطلاقاً، وأحمد الله أنها ما زالت تثير شجوني كلما استعدتها، فلربما يعني هذا أن إنسانيتي لم تمت كليًّا، وإنه ما يزال بها رمق أخير يجب أن أحافظ عليه باستماتة، حتى يقشعر بدني وأشعر بحجم المصيبة إذا ما سمعت لفظ "تصفية مشتبه بهم" مجدداً!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.