المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

المجتمع المصري وتحقير العمل الحرفي

تم النشر: تم التحديث:

وقعت منذ أسبوعين على منشور على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" يعلن فيه أحد أصدقائي عن حاجة الهيئة العامة لتعليم الكبار بالإسكندرية لمتطوعين يساهمون في نشر العلم بين الأميين السكندريين، شعرت بهاتف في الأمر يجذبني، ينادي قلبي من بعيد، يحثني أن أتقدم، ربما لأنني أكره أن أكون مناضلة بالشعارات.. أجلس أمام حاسوبي وأكتب ما أكتب دون إحداث تغيير حقيقي على أرض الواقع، ربما رغبت في أن أساهم بشيء ما تجاه أشخاص لا أعرفهم ولا يعرفونني، أو ربما هو فقط إيماني الشديد بالعلم، ويقيني بأنه لو تعلم كل المصريين لكسروا أغلال المجتمع التي تكبلهم وتعيق تحركهم.

وأثناء حضوري لاجتماع متطوعي محو الأمية وتعليم الكبار مع رئيسة فرع الهيئة العامة لتعليم الكبار في محافظتي، حدثتنا عن انتشار "ثقافة تحقير العمل الحرفي واليدوي" في مجتمعاتنا، ولم أكن قد سمعت بهذا المصطلح من قبل، فطلبت منها أن تستزيد الأمر شرحاً حتى أفهم، وما أن فهمت معناه وما وراءه حتى قررت أن يكون هذا موضوع مقالي القادم.

قصدت د.نوال -رئيسة فرع الهيئة- بهذا المصطلح نظرة الطبقات المتوسطة والعليا في المجتمع إلى طبقة الحرفيين واليدويين ومن يسمون بالـ"صنايعية"، أي من يمتهنون المهن البسيطة مثل السِّباكة والنجارة والباعة الجائلين وصُناع المنتجات اليدوية، وما يملأ هذه النظرة من تحقير وخوف من التعامل المتبادل..

شرحت لنا د.نوال إن هذه المعاملة السيئة منهم ما هي إلا نتيجة لثقافة تحقير العمل البسيط، فنظرتنا لهم التي تُدنيهم وتُقلل من شأنهم هي التي تجعلهم يعاملوننا بمثل هذه المعاملة، فهذا التخبط الموجود بين الطبقات سببه الأساسي أن كل طبقة تنظر إلى الأخرى بعداء.

جعلني هذا الكلام أفكر في طريقة تعامل الطبقة المتوسطة تحديداً الشباب -بحكم انتمائي إليها- مع هذه الطبقات، بالفعل لقد تربيت في مصر -مثل غيري من شباب الطبقة المتوسطة- على ألا أنظر لهذه المهن باحترام ولا لأصحابها، وأحاول بقدر الإمكان أن أتجنبهم وألا أتعامل معهم خارج حدود الحاجة أو العمل، فهم دائماً "مبرشمين"، يتناولون الكثير من المخدرات ليستطيعوا أن يعملوا 24 ساعة متواصلة، ينظرون إلى الفتاة على أنها لقمة سائغة، يمكن التحرش بها جنسيًّا بل واغتصابها إن أمكن، هم دائماً لصوص، يطلبون أكثر مما تستحقه الخدمات التي يقدمونها، دائماً سليطو اللسان، وعلى أتم استعداد للاشتباك الجسدي والعراك، دائمو الشغب غير عابئين بالأخلاق والآداب العامة، تربيت على أن المهندسة لا يمكن أن تتزوج صنايعيًّا، وأن الدكتورة لن ترتضى بالنجار أو الحداد زوجاً، بل إن ظهور أي ميول أو مهارة في الصغر للعمل اليدوي أو البسيط يتم محاربتها بشكل كبير من الأهل، الذين لا يعتبرون مثل هذه المهن ذات قيمة مجتمعية.

ولأننا كبرنا على هذا، تعمقت فيها هذه المناظير، وأصبحنا لا نرى غيرها، واحتلَّ التنميط المكان الأعظم من عقولنا، فلا نرى أصحاب المهن اليدوية والحرفية والبسيطة سوى مجموعة من الغوغاء.

ومع محاولاتنا المستميتة للفهم وللخروج من صناديق الأفكار المُعلبة ورفضنا للتعميم، أصبح الشباب المصري يمتهن المهن الحرفية واليدوية البسيطة، التي ينظر إليها الكبار بتدنٍ، فرأينا بائع الفريسكا والاحتفاء الشديد به، وانتشرت على مواقع التواصل صفحات لفتيات يصنعن الإكسسوار اليدوي والملابس الصوفية والشتوية من الخيوط والتريكوه، بل إنني قد اتجهت شخصيًّا لشراء شال صوفي من إحدى مالكات هذه الصفحات بدلاً من تشجيع العمل اليدوي الخاص بالشارع، كما شاهدنا أيضًا الانبهار حول نموذج الشاب صاحب عربة الفول.

برغم وجود هذه المهن منذ قديم الأزل، إلا أن احتفاء شباب "السوشيال ميديا" بها لم يحدث إلا حين امتهنها شباب من طبقات متوسطة، مع استمرار لتدني الطبقات الدنيا التي تمثل لها هذه المهن أساساً للقمة العيش، وليست موضة آخر العام أو "تريند" حديث سيملونه بعد قليل، إنهم يعولون بها أولادهم وعائلاتهم، لا يملكون رفاهية الملل منها، فهم كما قال عادل إمام في فيلم المنسي "أنا لو زهقت أتسجن!"، وهو ما أثار في عقلي الفكرة، إذاً إنَّ ما ورثناه من ثقافة تحقير العمل اليدوي والحِرف البسيطة ما هي إلا ثقافة مرتبطة بالأشخاص وليست بالمهن! نظرتنا المتدنية لهذه المهن مرتبطة بنظرتنا لسلوك الطبقة التي تستحوذ عليها، وليست للمهنة نفسها، بدليل أنها بمجرد أن خرجت عن إطار هذه الطبقة أصبحت مقبولة بل ومحبوبة ومبهرة.

إن تدريبي على تعاملي مع الطبقات الأقل، كمتطوعة في محو الأمية على وشك الاحتكاك الوثيق بشتى أنواع البشر، علمني أن تذويب الحواجز والاحتواء المعنوي والاحترام هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعية، فبغض النظر عما يبدر من تصرفات من هذه الطبقة، سيظل السبب الأساسي لمثل هذه التصرفات العدوانية والدافع الغريزي لها، هو الخوف.. الخوف من أن أهزمه أنا بعقلي، من أن أهين كرامته أو أقلل من شأنه، فيلجأ للعضلات لا للعقل، ليشعر أنه أقوى، وليفرض سيطرته على الموقف، من ثم فإن تقبُّل الآخر هو أقصر الطرق لتهذيب السلوك وتبادل المعرفة والخبرات، فإن كنت أمتلك أنا العلم المادي، فهو يمتلك العلم الدنيوي، ومعرفته تفوق معرفتي في الحياة بكثير، علمني أن الحاجز الكبير بين الناس وثقافة تحقير الأفراد وعدم احترام العمل الحرفي، هي السبب الرئيسي في انتشار النزاعات وعدم التفاهم بين الطبقات، وهي التي تنتزع روح التعاون والسلوك الحسن من النفوس، لتقوم بإحلال الازدراء والقهر والبؤس بدلاً منها.

علمني تدريبي أن الكلمة والنظرة والسلوك طاقة، إما سلبية أو إيجابية، والطاقة لا تُفني ولا تُستحدث من العدم، فما تقدمه من طاقاتِكَ السلبية للآخرين، سيعود عليك أضعاف مضاعفة، كلما كنتَ حادَّ الطباع ذا نظرة متعالية مُحقِّرة للطبقات الأدني، كلما عاد عليك منهم بسلوك مساوٍ لسلوكك في الحدة ومضادٍّ له في الاتجاه.

علمني تدريبي أنه يقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة وواجب أصيل، في أن نهذب أنفسنا بتهذيبنا لسلوك من شاء القدر أن يصبحوا في طبقة أدني منا، وأن نهذبهم باحترامنا لهم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.