المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

دليلك للتعامل الآدمي مع كائن "الإنسان"

تم النشر: تم التحديث:

(1)
استيقظت البارحة صباحاً، أعددت كوباً من الشاي الثقيل واحتسيته مع حفنة من المسكنات، فقد بدا لي أن هذا الصباح سيتحول إلى يوم طويل ومرهق.. وقد كان!
فما لبثت أن تصفحت أخبار المواقع الإلكترونية، حتى وقعتُ على خبر يقول "وضع ملصقات في ألمانيا لتحذير اللاجئين العرب"، لأقرأ تحت العنوان أن ألمانيا قد قامت بتصميم كُتيبات وملصقات كرتونية لتوعية اللاجئين العرب بطرق التعامل مع النساء في ألمانيا، خصوصاً في حمامات السباحة، حيث حذروا الرجال من لمس النساء ومن التحرش بهن، مُهددين بمنعهم من استخدام المسبح أو استخدام القانون ضدهم، كما يقول الخبر إنه تم نشر هذه الملصقات عقب أسبوعين فقط من تقارير أفادت بتحرش مهاجرين عرب بالألمانيات داخل حمامات السباحة.

لم يمهلني القدر وقتاً لأستفيق من صدمة هذا الخبر، ليطالعني آخر عنوانه "عراقي مهاجر يغتصب طفلاً"، لأقرأ أن شاباً عراقيًّا عربيًّا لاجئاً في النمسا يغتصب طفلا عمره 10 سنوات في حمام سباحة، مُعللاً جريمته الشنعاء بأن هذا شيء طارئ لم يستطع التحكم فيه، لأنه لم يمارس الجنس منذ أشهر عدة، مُجزماً أنه لا يكون هكذا "في أغلب الأحيان" لأن لديه زوجة وأطفالاً!

شعرت بالقرف يملأني، تملَّكني إحساس بالغضب والقهر، ألهذا الحد من الحيوانية والدونية وصلنا؟ لدرجة أن تضع لنا حكومات الدول الغربية مُلصقات ترشدنا إلى التعامل مع "البشر"؟ أيمكن أن يصبح الأمر أكثر سوءًا؟!
(2)
تمتلئ الصحف يوميًّا -العربي منها والأجنبي- بأخبار عن حوادث تحرش واغتصاب لفتيات ونساء بل وأطفال أجانب على يد العرب، في كل بقاع الدول التي أجبرتها إنسانيتها على فتح أبواب مدنها لأناس ظنتهم يتعرضون للعنف والقهر والدمار والانتهاك، لتتفاجأ بهم يستحيلون وحوشاً تنهش في بناتهم ونسائهم، ويمارسون جزءاً من القهر الذي عانوه على غيرهم، بدلاً من أن يحمدوا الله على وطن جديد في بلد خاطر باقتصاده وسياسته ليحتويهم دون أن يطلب منهم أي شيء، في الوقت الذي أدارت لهم أوطانهم ظهورها.

وقد حاولت حقًّا أن أبحث عن سبب يهوّن عليّ تلك الظاهرة المُفجعة التي تستفحل وتنتشر على يد العرب هناك، والتي تعتبرها أغلب الحكومات الأجنبية "جديدة" وغير مسبوقة، لدرجة أن الصحف الألمانية نقلت كلمة التحرش الجماعي كما هي في عناوين أخبارها، لعدم وجود مصطلح أو دلالة عليها باللغة الألمانية، لكني للأسف لم أجد، فلا يوجد أسباب لشيء قذر مثل هذا.

(3)
إن أي مبررات تعلق خطيئة التحرش على المرأة وملابسها هي عار علينا، فلطالما عاشت المواطنات الأوروبيات والغربيات في بلادهن دون أن يتعرض لهن أحد، ليس لأن الرجال هناك ملائكة، بل لأنهم بشر، يعرفون حقوقهم وحقوق غيرهم، ويلتزمون بواجباتهم ليلتزم الآخرون تجاههم، لأن القانون هناك يحمي الجميع، ولأن أي رجل آثم تسوِّل له نفسه أن يعتدي على حرمات الآخرين يأخذه القانون أخذاً لا هوادة فيه ولا رحمة.

إن رجالنا -ممن يزاولون التحرش وليس جميعهم بالطبع- يتحرشون بكل وأي كائن أضعف منهم، نساء وأطفال، إنها ثقافة تجري في مجتمعاتنا مجري الدم، إن الرجل العربي الذي يقع في إثم التحرش، يتحرش بأي امرأة مهما كانت ملابسها -في أنظار مُنظِّري الفضيلة- محتشمة، مُعلقاً بخطيئته هذه في أذيال ثوبها الواسع الذي تجرجره وراءها من فرط طوله، بل ويتحرش بالقاصر التي لم ينبت لها جسد بعد، وفي بعض الأحيان يتزوجها ويبرر زواجه منها واغتصابه لطفولتها، دائماً لديه مبررات رصينة جاهزة، حتى تبدو له تصرفاته معقولة، وحتى لا يشعر بأي دونية في قرارة نفسه، وليُخدِّر ضميره الأعمى الأصم، بل إن البعض من هؤلاء المتحرشين يؤمنون بحرمانية الجنس خارج إطار الزواج، رغم إنهم يتحرشون بالنساء بمنتهى الأريحية الدينية، ومنهم من يبرر فعلته بأنهن غربيات كافرات وجب انتهاكهن، وهو بهذا يُسدي للرب خدمة، والله بريء من أفعالكم.

وإن كانت حكومات الدول التي استقبلت اللاجئين تبحث عن حل عبقري لهذه الظاهرة الحقيرة، هيهات يا أعزائي! أنتم لا تعلمون ما الدافع الرئيسي وراء هذه الظاهرة، أما نحن -كعرب- فقد عشناها وعايشناها، نقبنا وراءها بشتى الطرق، لنقف على مفاتيحها، لنمنعها، لكننا لم نفلح.

أتعتقدون أن الكبت الجنسي هو المحرك الأساسي لها؟ لقد كنا نظن -نحن العربيات- هكذا مثلكم، لكننا كنا مُخطئات، وفهمنا مؤخراً أن الكبت الجنسي ما هو إلا محض قناع للوجه الحقيقي للتحرش، إن الذين يتحرشون من رجالنا يتحرشون لأنهم مقهورون، ضعفاء، يرصفون في أغلال أنظمة قمعية تُشعرهم بالدونية والنقص، فيعوضون هذا الإحساس بممارسة قهرهم على من يظنونه أضعف منهم، فينكلون به، ويمارسون عليه الانتهاك والقمع، ليستعيدوا جزءاً من رجولتهم الناقصة، وإلا ما المبرر ليغتصب رجل بالغ متزوج طفلاً عمره 10 سنوات؟ ما مبرر أن يتحرش بنا الرجال في مصر بالسب والقذف وبالسخرية من أجسادنا وأشكالنا أيًّا كان ما نرتديه؟ هل باستهزائهم من امتلاء جسدي أو نحافته الشديدة وانتهاكهم لمشاعري كإنسانة يشبعون جوعهم الجنسي المُستعر؟ لا أظن..

إن ما يؤلمني حقًّا هو دفاع البعض عنهم، مُوجهين أنظارنا لما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان من قِبل الدول الغربية تجاه العرب، مُبررين به التحرش، وأنا لا أنكره، فالغرب ليسوا بمنزهين عن النقص، ويرتكبون من الأفعال ما تدينهم أبد الدهر، لكن هذا لا علاقة له بتبرير التحرش بالنساء والأطفال، فالسياسات الإمبريالية الاستعمارية الحديثة القذرة التي يتبعها الغرب لا تبرر انتهاك مواطنة آمنة في بلدها، البلد نفسه الذي فتح للاجئين ذراعيه، بل إنه يثبت ادعاء حكومات بعض الدول بأن العرب غوغاء ومسعورون، وأن داعش هي أصل العرب، فكل إناء ينضح بما فيه!

(4)

استمروا أيها المتحرشون الغوغاء في نشر قبح منطقتنا وثقافتنا على الملأ، دعوا العالم كله يعرف ما تعانيه المرأة العربية في بلادها، استيقظوا صباحاً، اقرأوا ملصقات "دليلك للتعامل الآدمي مع كائن الإنسان" خصيصاً لكم في كل مكان، ثم تحرشوا بالنساء والأطفال، ولتتبعوا في هذا السرية التامة، خصوصاً أمام أقرانكم وأهلكم من العرب الشرفاء هناك، حتى لا يوسموكم بالتحرش.

انشروا القبح ما استطعتم، ولا تبالوا بنظرات العالم إلينا ولا تقلقوا منهم إطلاقاً، فمن شب من مواطنيه على الإنسانية والآدمية، لن يحكم أبداً على العرب في المطلق بظاهركم، بل سيدافع عنهم.

فرجاءً، لا تتركوا كُتيبات التعامل معهم من أيديكم أينما ذهبتم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.