المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ألاء أحمد الكسباني Headshot

لأن البنات أيضاً يعرفن "السيكو سيكو"

تم النشر: تم التحديث:

(1)
حكت لي صديقة، ناشطة فى منظمة نسوية، عن مشكلة مستعصية تواجهها ولا تدرى لها حلاً.
إذا قابلت من ضمن حالات الطلاق التي تصادفها، حالة امرأة أراد زوجها أن يُطلقها بعد أسبوع واحد من الزواج، لأنها طلبت منه ممارسة الجنس، فجمع عائلتها وأهانها أمامهم، وأصر على طلاقها، مُتهماً إياها فى عرضها وشرفها، لأنها تعرف الكثير عن الجنس، بل وتجرأت لتطلبه منه، واصماً إياها بالعُهر، مُصمماً على تسريحها بغير معروف، خائفاً من أن تمرمغ شرفه في التراب فتخونه مع أحدهم، لأنها طلبت منه إقامة علاقة جنسية، فماذا يمنعها من أن تطلب من غيره؟!
وحقيقةً، لم أعرف بم أُجيبها، فظللت صامتة، ثم انفجرت ضحكاً وقلت لها مُقلدة صوت اللمبي: "وأنا اللي فاكرك مؤديبة"..

(2)
قلب شادى أبو زيد وأحمد مالك مواقع التواصل الاجتماعي منذ بضعة أيام بفيديو يسخران فيه من الشرطة باستخدام الأوقية الذكرية، وقد شاهد الفيديو الجميع -رجالاً ونساءً- وبين عبارات المديح وصيحات الاستنكار من هذا الفيديو، كان لي وقفة مع تصريح أحد الفنانين، الذي خرج علينا قائلاً إن ابنته عندما سألته عن معنى الواقي الذكري، اعتلى وجهه حمرة خجل ونظر إلى الأرض، لأنه لم يعرف بما يجيبها، ورغم ما دار برأسي من آلاف الأسئلة التي بالطبع لم أجد لها إجابة، مثل إذا لم يستطع أن يفسر معنى الواقي الذكري فكيف سيفسر لابنته معاني الإيحاءات الجنسية التي تمتلئ بها أفلامه، إلا أنني آثرت الصمت، فهو خير رد على السفيه.

بغض النظر عن الفيديو نفسه، وبغض النظر عن موقفي السياسي منه، ورغم إيماني الشديد بحرية الآخرين ما دمت هذه الحرية لا يعود مردودها إلا على صاحبها، إلا أن هذا التصريح المُبهر، وما صاحبه تصريحات أُناس يُصَنفون على إنهم "الصفوة الاجتماعية"، ما بين سياسي وإعلامي وفنان، تُعلق شماعة العيب بالفيديو على النساء، وما تبعها من اعتراضات من جموع الرجال المصريين، أصابني بالحيرة والارتباك، لأنني لم أستطع أن أفسر فكرة أن يصبح الفيديو عيباً لأن بيننا أمهات وبنات وأخوات وزوجات لا يصح أن تشاهدن مثل هذه "الإباحية"، بينما يمكن للرجال مشاهدتها بشكل عادي!

(3)
"ر"، زميل قديم لي بقسم السياسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهو مُعيد بنفس القسم الآن، كان دائماً ما يدخل معي في نقاشات حادة، نارية، وغير موضوعية نظراً لتطرُقي -في رأيه- لمواضيع لا يصح للفتاة أن تتناقش فيها، كان دائماً ما يقول لي "آلاء، أنتِ بمثابة كسر لكل تابوهاتي وأفكاري عن الفتاة المصرية، لا أعرف حقاً كيف تتناقشين في الثقافة الجنسية والمثلية وغيرها من الأمور التي لا يصح فتاة أن تتحدث فيها، بغض النظر عن رأيك منها أوفيها، أنتِ تعرفين الكثير، ولا تحاولين حتى إخفاء هذا"، ولم أعرف حقاً ما هي أكبر مشكلاته، أن أعرف أم أنني لا أدعي الجهل؟!
ورغم صدمتى من صدور هذا الكلام من مُعيد ودارس بقسم العلوم السياسية، ومُستقبلاً دكتور أكايمي يحاضر ويُناقش ويُعلم أجيالا، إلا أنني كنت سعيدة بأن أُمثل كسراً لتابوهات أحدهم، بأن أحطم هذا اللوح الزجاجي الذي ينظر لنا -نحن النساء المصريات- رجالنا من ورائه، سعدت بأن أكون مثالاً على وجود من هن مثلي من البنات، من لا يصنفن العيب بـ"الجندر"، ومن لا يحاولن أن يخفين درايتهن بشتى الأمور، لكني لم أدرك وقتها الحقيقة المرة التي تقبع خلف كلامه ونقاشاته، وقد فهمتها لاحقاً للأسف.

سيُعلم "ر" غيره من رجال هذا الجيل تابوهاته السخيفة عن المرأة، سيعلمهم ممارسة الوصاية والأبوية الأخلاقية على النساء، سيُعلم الفتيات أن يصبحن نسخا كربونية من بعضهن، يستحين من معرفة ما يتفاخر الرجل بمعرفته، سينقل أفكاره الازدواجية المسمومة إليهن فيمسخ عقولهن.

(4)
مُخطئ كل الخطأ من يظن أن البداية كانت بفيديو شادي ومالك، فالموضوع أقدم من ذلك بكثير، منذ شعارات "إيه اللى وداها هناك"، مروراً بصيحات الاستغاثة التى رفعها رجال مجتمعنا الشرفاء مُطالبين بوقف برنامج باسم يوسف لما يتخلله من إيحاءات جنسية لأنه لا يصح للنساء والفتيات أن يسمعنها أو يعينها، وبحملة التشنيع السخيفة التي تعرضت لها انتصار حين صرحت بأنها تشاهد الأفلام الإباحية، وربما منذ أبعد من ذلك أيضاً.

لطالما مارس الرجال علينا دور الأوصياء، يؤمنون بدورهم الأبوي الأخلاقي كـ"فيلتر" ينقي لنا عقولنا من الخبائث ويحميها من الدنس، لطالما تجاهلوا فكرة أن النساء البالغات القادرات العاقلات في مصر يعرفن كل شيء ولديهن ثقافة جنسية، بغض النظر عن مصدر استسقائهن لهذه الثقافة، سواء من أم واعية قررت توعية ابنتها باللازم من المعلومات، أو تثقيف ذاتي، أو حتى جلسات البنات في سن المراهقة رغم ما تتداولنه فيما بينهن من معلومات مغلوطة نظراً لصغرهن، والتي تشبه للغاية جلسات الأولاد المغلقة في مثل هذه السن، لطالما مارسوا ازدواجيتهم المُفرطة، فسبوا وقذفوا وتناقشوا في كل ما هو "سيكو سيكو"، ما دام هذا بعيد عن مسامع وأعين الفتيات، بل وصل الحد من الازدواجية لأن نسمع جملة مُضحكة مُبكية مثل "أنا محترم، بشتم آه بس مش قدام بنات".

لا أعلم متى سيفيق الرجال من غفوتهم ليدركوا أن المرأة إنسان بالغ وعاقل مثلها مثلهم، لديها رغبة جنسية، ولديها فضول غريزي للمعرفة، متى سيكفون عن لعب دور "الأطرش في الزفة" في حياة نسائهم؟! حيث يتصنعن لهم الحياء والجهل بكل شيء مما نسميه بالـ"سيكو سيكو"، لأن التصريح بأقل معرفة به يُصنفهن كعاهرات، فتنتفخ أوداج رجالهم ويزهون برجولتهم ظناً منهم أنهم تأشيرة دخول نسائهم إلى عالم العيب.

هذا الوضع المزرى تساهم فيه من تتصنع الحياء وعدم الدراية بأي شيء بشكل كبير، ولكن ماذا تفعل المسكينة أمام اتهاماتها الدائم بالعُهر، إذا كان رجل قد اتهم امرأة بالباطل لأنها طلبت منه الجنس وهي تكون بمحض الصدفة زوجته، فماذا تنتظرون من النساء في مصر؟!

عزيزى الرجل الساذج المزدوج، أود لو تكف عن ازدواجيتك هذه، وأن تنهي وصايتك الأبوية الحمقاء عن المرأة، فلها عقلها لتقرر ما الصواب وما الخطأ، لا تحكر المعرفة على نفسك، لأنه شئت أم أبيت، فالبنات أيضاً يعرفن "السيكو سيكو".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.