المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء أحمد الكسباني Headshot

"سابع جار".. حين تعكس الدراما المصرية واقع المرأة المأساوي

تم النشر: تم التحديث:

بعد أن أصبحت الدراما هي التيمة الأساسية لشهر رمضان كل عام، لم أعد أهتم بمتابعة أي أعمال درامية خارج سياق الشهر الكريم؛ لأن المنافسة تحتدم فيه إلى الحد الذي يجعل الجميع يحاول تقديم أفضل ما لديه، وبالتالي فإن الإعلان عن أي مسلسل في غير هذا الموعد من كل عام لا يلفت نظري على الإطلاق، مهما تحدث عنه الجميع أو مهما خطف الأنظار، لكن القدر يشاء أن يضع أمامنا بعض الفرص، فرص لرؤية أعمال جديدة تلمس روحك إلى الحد الذي يجعلك معه تصدق أن هؤلاء الأشخاص حقيقيون، وليسوا من وحي خيال مؤلف أو سيناريست، لأصادف مسلسل "سابع جار" في طريقي، بينما أعبث بالتلفاز في ملل، وليجعلني أركز معه ومع أحداثه وأتفاعل مع شخصياته بشدة، ليس فقط لأن حبكته مصنوعة بحرفية، وإنما لأنك تشعر أنك ترى أهلك، إخوتك، أصدقاءك، طموحاتك، كأنما يتجسدون جميعاً من لحم ودم وأشياء ملموسة أمام عينيك، ولأنه مرآة عاكسة لواقع مرير، محاكاة لما تعيشه المرأة المصرية بجميع الطبقات!

لا يمكن لأحد أن ينكر مدى براعة الممثلين واحداً واحداً، وكيف أن كلاً منهم مناسب جداً لدوره وكأنما خُلِق مُفَصّلاً عليه، حتى عمرو سلامة المخرج الذي قام بدور لا تتعدى مساحته الثلاث حلقات، حوّله تمثيله من مخرج بارع إلى ممثل أبرع!

لا يمكن لأحد أن ينكر أن الديكور والملابس والحوار هي جزء من كل بيت مصري، هو قطعة منا جميعاً، قطعة من أرواحنا تجعلنا نبتسم أو نبكي ونحن نعرف أننا قد مررنا بهذا، لكن ما لفت نظري بحق في هذا المسلسل، هو ثراء الشخصيات النسائية وغناها بالتفاصيل، وتنوعها وتباينها، من كل طبقة في هرم طبقات المجتمع المصري وبمختلف الشخصيات؛ حيث أمعنت كاتبات المسلسل على تسليط الضوء على النساء المصريات والخذلان الذي يتعرضن له من مجتمعهن فقط لكونهن نساءً!

فلنبدأ بكريمة الشغالة، امرأة من قاع المجتمع المصري، هي في الأصل تمتهن الدعارة، لكن قلبها أرقّ وأطيب مما قد يظنه أحدهم، ملابسها تشي بفقر شديد، لكن برغبة في إبراز الأنوثة والاعتزاز بالنفس، تريد أن تنتشل نفسها من البيئة المُشجّعَة على الدعارة، لكن المجتمع لا يوفر لها هذه الفرصة دائماً.

تليها مي، المهندسة المتحررة التي ترى الحياة بمنظور مختلف، لكن المجتمع ينمطها في قالب الفتاة سيئة السمعة؛ لأنها تعيش بشقة وحدها وتدخن السجائر، وتبحث عن الحب بشدة، لكنها لا تعرف أين تجده.

ثم نهى، ضحية المجتمع الذي صنع منها إنسانة غير قادرة على الاستمتاع بالحياة، لا تفعل شيئاً سوى الاهتمام بالأولاد والغسيل والطبيخ، وجُل أمانيها في ساعة تقضيها في صمت مع حالها.

وهناك هند، الفتاة التي يستغلها زوجها، وهو نطع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يتحمل المسؤولية على الإطلاق، لا يقدر على فعل أي شيء سوى الاستحواذ على أموال زوجته وأمّها، يعيش عالة على أسرتها ويخاطبها بلهجة غير محترمة على الإطلاق بل ويهددها حتى بالضرب، بينما تحاول أن تتحمل من أجل ابنها الصغير.

أما هالة فهي حالة مختلفة تماماً، تمثل معاناة كثير من النساء اللاتي لا يشعرن بالأمان من الزواج، فيتمسكن بعملهن ونجاحهن باعتباره المنفذ الأساسي للسند والأمان، لكنها تغالب نزعة الأمومة التي تراودها عن نفسها بين حين وآخر، في حين يقف الزواج عائقاً أمام تحقيق حلم الأمومة الخاص بها، وهي ترفض أن تنخرط في علاقة تستهلكها تماماً كعلاقة أبيها بأمّها، وهو ما يقودنا بالضرورة لمدام ليلى، والدتها، التي عاشت سنين مع رجل يستغلها مادياً وعاطفياً بكل شكل ممكن، لكنها تظل باقية ولا ترحل عنه، رغم أنه يرحل عنها بالشهور ويتركها معلقة بلا زوج، تعمل وتكدح لتصرف على البيت وعلى ابنتها وزوجها النطع، لكنها تخشى الرحيل عن هذه العلاقة المشوهة جداً، خشية أن يُكسِبها المجتمع لفظة مطلقة.

وبين كل هؤلاء نرى دعاء، فتاة محافظة ومتزمتة دينياً جداً، يلقبها المجتمع بـ"عانس"؛ لأنها قد تخطت الثلاثين بدون زواج، ويرى المقربون منها دون عائلتها أنها تستحق أن تتزوج رجلاً أربعينياً أرمل ولديه أولاد؛ لأن فرصها في الزواج الناجح تقل كما كبرت في العمر، حتى حين يشاء القدر وتتم خطبتها لرجل يشاركها نفس الأيديولوجيا والتزمّت، بل ويفرض عليها تحكماته باسم الدين، فيدفعها لترك عملها كطبيبة ويحدد علاقاتها بالناس، وتقبل كل تحكماته، يتركها لأن تمرد أختها أبهره، فهي بالنسبة له عادية جداً، ستقبل كل شيء يفرضه عليها، أما هبة، شقيقتها، فهي فتاة متمردة، وهو ما لفت أنظار خطيب دعاء لها؛ لأن الرجل المصري يستمتع جداً بتحقيق ذاته من خلال تغيير أي فتاة مختلفة تقع في طريقه!

وبين كل هؤلاء، توجد چيلان، المرأة التي تدعم زوجها لأقصى حد، لكنه يغيّر من نجاحها ويحاول أن يردعها عن القيام بعملها؛ لأنه قد وقع في طيّ النسيان كما يظن، ولم يعُد ناجحاً بما يكفي في نظر نفسه، ولذا يريدها أن تبقى تدور في محرابه وحده.

ما زِلنا في الحلقة الـ21، ولا نعرف إلى أين ستنتهي بنا قصص نساء المسلسل، لكن لا يمكننا أن ننكر أنه مرآة عاكسة لواقع النساء في مصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.