المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء أحمد الكسباني Headshot

مصر قاتلة المواهب

تم النشر: تم التحديث:

كنت أُقلِّب ما بين قنوات التلفزيون في ملل، ينتابني النعاس بعد يوم شاق، لتقع عيناي على خبر نفذ إلى عقلي وأيقظ حواسي وكأنني قد تناولت دلواً من القهوة! كان الخبر في أحد البرامج التلفزيونية المصرية يقدمه مذيع مصري معروف، عن فوز المصارع المصري المُتجنِس بالجنسية البلغارية بذهبية أوروبا، في صفعة قوية لاتحاد المصارعة المصري، الذي تركه من دون علاج باعتباره لاعباً "غير مؤثر" في المنتخب المصري، ليجرجر الرجل أذيال خيبته ويُسافِر إلى بلد يستطيع فيها أن يلقى علاجاً آدمياً على نفقته الخاصة، ولينتهي به الأمر عاملاً بمحل شاورما هناك، لكن القدر كان يُخبِّئ له في جعبته مقاليد أخرى!

فاز طارق عبد السلام بعد لعبه باسم بلغاريا في بطولة أوروبا للمصارعة بالذهبية، لتعود مصر وتطالب بلغاريا بإعادته باعتباره ملكاً لها، وبين رفض عبد السلام وتمسُّك بلغاريا، أصرَّت مصر على "حقها" فيه، مُطالِبة بتركه لبلغاريا ولكن مقابل 100 ألف دولار -وفقاً لما ذكره البرنامج- وهو ما دفعني حقيقةً إلى الشعور بالألم، فما يهم اتحاد المصارعة المصري لم يكن اللاعب نفسه، وإنما مجرد امتلاكه، مجرد تحصيل أي صفقة من خلاله، بمبدأ المثَل المصري الشائع "اللي ييجي منه أحسن منه".

ليست هذه المرة الأولى التي ترفض فيها مصر فلذات أكبادها وتُقصيهم عنها، وليست المرة الأولى التي تخرج فيها موهبة فذة من مصر هرباً من مصير النسيان، سواء في العلم أو الأدب أو الفن أو الرياضة، حيث تعمل بكل طاقاتها على تنفير مواردها البشرية منها، ولا يستطيع فيها الموهوب أن يصل إلى شيء أو يحقق أي إنجاز بموهبته إلا من خلال مروره بنظام بيروقراطي يقطع الأنفاس، يستنزفه إلى حد يصعُب منه أن يتوافر له الطاقة على الإبداع من الأساس.

وليست هذه المرة الأولى التي تتخلى فيها مصر عن أحد أبنائها الذي حقق لها مجداً سابقاً لكنه يمر مثل كل جواد بكبوة، فهي تتخلى دائماً عمن يعانون في سبيلها، تصفق فقط للناجح، ولا ترى عيونها سوى الفائزين!

واليوم، بعد إهمال وعدم التفات لصرخات اللاعب ومطالبته بالعلاج على نفقة الدولة وتركه حبيس إصابته، تعاقبه مصر على عدم تخليه عن حلمه واللعب باسم دولة أخرى تبنّت علاجه وأشرفت على تدريبه وأسهمت في شحذ عواطف الانتماء إلى كيان أكبر منه، يخرج مئات المنددين بوطنيته، ناهشين في إحساسه بالحب تجاه بلده وأهله، قاذفين إياه بتهم العمالة والخيانة العظمى في برنامج المذيع المشهور، قائلين إنه من العار عليه أن يترك بلده الأم من أجل بلد أخرى حتى لو أهملته، وكأن الحياة عبارة عن سلسلة من التضحيات في حياة البشر، يجب أن يقوموا بالبذل حتى آخر نقطة في دمائهم في سبيل وطن لا يُعنى بهم من الأساس!

لربما عدم معايشتهم بما مر به عبد السلام من إحباط واكتئاب وإحساس بأن المشوار سينتهي عند الإصابة، إلى توكل على الله وسعي للأخذ بالأسباب وتكبُّد نفقات السفر والعلاج ومشقتهما، والانتهاء إلى عامل بمطعم للشاورما بدلا من بطل يحمل ميدالية ذهبية- هو ما دفعهم إلى المزايدة عليه، مع أن أغلبهم إذا توافرت له ربع فرصة للهروب من جحيم مصر سيفرّ منها فراراً وهو يحمد الله على أنه قد تأتت له هذه الفرصة قبل أن يموت، وإنها بالطبع بركة دعاء والديه!

تُطالب مصر أولادها بأن يعيشوا من أجلها فقط، أن يتناسوا حقوقهم كبشر، أحلامهم، آمالهم، مواهبهم، تُعلي من شأن أنصاف الموهوبين القادرين على الوصول بفضل هضمهم مذهبها البيروقراطي، وتشبعهم بتفاصيله وثناياه، وقدرتهم على الالتفاف حوله بمراضاة هذا وشراء ذاك.

في حين تخسف الأرض بكل من هو مشروع قامة علمية أو فنية أو رياضية، يجب أن يسف التراب من أجل الوصول، يجب أن تكون قصة كفاحه ممتلئة بالدماء والدموع، يجب أن يشعر بأن حلمه سراب، لن يجلب له كفاف يومه، تضع أمامه جميع العراقيل، وتجلس بعيداً لتشاهده وهو يقفز فوقها واحداً تلو الآخر، وتضحك منه إذا وقع، ولا تقدم له يد العون ليقف من جديد.

حتى إذا ما استطاع بمعجزة تخطي عقبات عدم تشجيع أهله له ونظرهم للموهبة على أنها شيء فارغ وتخطي نداء المجتمع بأن يكون ترساً في آلة وأن يعمل أي شيء ليجلب لقمة العيش ويعيش مثلما يعيش باقي الناس، الذين تحولوا إلى أحياء أموات أو كما يسمونهم بالإنجليزية "زومبيز"، فقدوا كل أثر للحلم والحياة بسبب تخليهم عن آمالهم ومواهبهم، ووصل إلى مراده، تطالبه بالانتساب إليها، بالنداء باسمها، بالتغني بفضلها عليه الذي يتلخص في أغنية الفنانة شيرين الوطنية "ما شربتش من نيلها"، بأن يعود إلي أحضانها بعد أن لفظته سنين "مجبرة"، لأنه لا وقت لديها لدعم المواهب والأحلام، ولا موارد عندها لأن تكون سنداً لمن يقع من ذوي هذه المواهب؛ ليكون النصر ملكاً لها، ذلك النصر الذي لم تسعَ لتحقيقه ولم تتعب في إنجازه من الأساس، وإنما تأخذه عنوة فحسب!

كم من موهبة فنية أو أدبية أو رياضية تحقق النجاح في الخارج، لتعود مصر لتنسبها إليها من جديد، بدءاً من زويل ومجدي يعقوب وصولاً إلى طارق عبد السلام! فمصر لا تعرف الموهوبين إلا حين تضع أسماءهم الفائزة بكبرى الجوائز والمسابقات العالمية في مواضيع كتب القراءة التعليمية، ولا تتعرف بسبقهم إلا إذا قُدِر لهم أن "يكونوا".

لا.. ليس من حق أحد أن يُطالِب بعودة اللاعب إلى مصر، وليس من حق أحد أن يُزايد عليه، وليس من حق أحد أن يقول إنه مصرى، فالشعور بالانتماء لا يتولد مع المرء، وإنما هو صفة مُكتسَبة، وأغلب الظن أن عبد السلام يرى في قرارة نفسه أنه بلغاري أكثر من أي شيء آخر، فلتزرع مصر بذور الانتماء بكوادرها ومواهبها أولاً، ثم لتطالبهم بعدها بالاعتراف بها وبانتمائهم إليها!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.