المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء شحادة Headshot

وماتت جدّتي

تم النشر: تم التحديث:

ماتت؟!
كأنّما أُلقِيت الكلمة في بئرٍ فصمّك رجعُ الصدى وقرّح فؤادك!
ماتت؟!
أي الكلمات قد تكون أقسى؟
من وما الذي يُصدّق؟ القلب الذي أحبّها، أم العقل الذي عرف لماذا أحبّها؟!

ماتت جدّتي التي كانت تنتظر قدومنا بفارغ الصبر، فتُحضّر لنا ما لذ وطاب من المأكولات، تنتظر يوم نزورها لتكرمنا أيّما إكرام، تجالس كل واحدٍ فينا حتى يقول: أنا المحظيّ بحبها.. تُهديكَ من نفائس ما تملك، من كلّ عزيز على قلبها، تُريك المحفظة التي أهديتها لها بعد سنوات، تفاجأ بجدتك العجوز، فلا تستطيع أن تخفي الدهشة وتسائلها: أما زلتِ تحتفظين بها؟! فتردّ بتلك البساطة والحقيقة التي لا شكّ فيها: "إي لكان شلون يا ستّي!"، جدّتي، هذه التي تعرف قيمة الذكرى، ومعنى الحنين.. جدّتي ماتت!

كانت تصعد عليّتها كلّ صباحٍ تقريباً، تأخذني معها إذا ما كنت عندها، تُكرمني، وتستمرّ في الحديث طويلاً عن كلّ ما تستدعيه ذاكرتها، فأسجّل ما تحكيه من أمثالٍ إذا ما توافر بين يدي كتاب..!

كانت العليّة مقرّ أمانها وسلامها الروحيّ، صومعتها التي تأوي إليها، تشغّل القرآن من المسجل الذي تقول لي بشأنه: "هذا من جدك أبو موفق، الله يرحمه"، وتضحك ضحكةَ مَن وصله مكتوبٌ من عزيز.

ماتت جدّتي.. التي أحبّها حبّاً جمّاً رغم بساطة ذكرياتي معها، جدّتي التي كانت أحد الأمور القليلة التي أعشق زيارة سوريا لأجلها، جدّتي التي لم أسمع صوتها منذ 6 سنوات، ببساطة، لأنني لا أحبّ حديث الهواتف! جدّتي التي لم أرها منذ 6 سنوات؛ لأنها الحرب، بتلك البساطة المعقّدة..!

ماتت جدّتي، أفأبكيها أم أبكي أمّي التي حُرمت رؤيتها 6 سنوات؟ فرّقتهما حربٌ حقيرة ملعونٌ فيها من أجّجها فسفك الدماء وعاث في الأرض الفساد..

ملعونٌ من جعل جدّتي تنشأ منذ صغرها في زمن حرب وتموت في زمن حرب، ترثي من أخذت الحرب، وتنتظر من يأتي من الحرب..

ملعونٌ وشقيٌّ من جعل بين جدتي والمشفى حاجز، بين المرض والعلاج المُتاح حاجز، بين جدتي وابنتها حواجز.. فبين العبد المقهور والله لا حواجز..

مسكينٌ يا أنت، يا أيها الذي ليس لك من قلب جدّتي نصيب!

أمّا بعد:
فهذا ليس فصلاً من فصول مآسي الحرب، هذا شيءٌ من الهامش، فتأمّل!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.