المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء الصياد Headshot

الحركة الإسلامية في مصر، أزمة القيادة، وغياب الإستراتيجية!

تم النشر: تم التحديث:

على ضوء تطورات الأحداث المتلاحقة في مصر، من تزايد للقمع، وانسداد للأفق السياسي ما أعدم أي فرصة ممكنة للوصول إلى تسوية ومخرج من تلك الأزمة الطاحنة التي تلت وأعقبت بيان الثالث من يوليو لعام 2013، بات الجميع ينتظر بشغف ما ستؤول إليه الأمور في قادم الوقت، في ظل هذه الحالة من الرّبكة وغياب الإستراتيجية وربما فقدان الهدف، والتي فرضت نفسها داخل الصف المعارض لإجراءات عزل الرئيس محمد مرسى.

والمراقب عن قُرب للمشهد سُيدرك أن أبناء مظلة الحركة الإسلامية يعيشون أسوأ أيامهم وأحلكها، لا بسبب قسوة المحنة، وتزايد بطش المستبد، ولكن لشعور تملك الجميع، أنهُ لا إستراتيجية حقيقية مفعلة للتعاطي مع المشهد، وأن الأهداف ربما مجملها غامضة، وأن القيادة الحالية ليست على مستوى الحدث، فلا تفاعل مع تطورات الأحداث، ولا بصيص من الأمل يشق حوائط الظلام سوى ترديد الأوهام، هذا الشعور بكل تأكيد وصل السلطة العسكرية الحاكمة ما جعلها تمضى في إجراءات أكثر قمعية من تصفية مباشرة لمعارضيها، في محاولة منها لإرهاب وإخافة من لا يزالون يواجهون بأصواتهم العالية وصدورهم العارية.

وظهر على السطح في الآونة الأخيرة أزمة جديدة داخل صف قيادة أقوى جبهات معارضة السلطة العسكرية الحالية، وتمثلت الأزمة في صراع القيادة القديمة والجديدة داخل صفوف جماعة الإخوان المسلمين، في وقت يحاول فيه كل طرف من أطراف النزاع السيطرة على مقاليد الأمور، وأنهُ الأحق بأن تؤول إليه وتستمع لهُ ماكينة التنظيم، والناظر إلى النخب من كل طرف من طرفي النزاع يدرّك أنهُ لا فرق بينهم ولا اختلاف حقيقي وجوهري سوى في الأسماء والألقاب، فكلا الطرفين يفتقد لأساسيات الوعي، وأبجديات القيادة الفكرية. وكلاهم لا يصلح وعلى أقصى تقدير إلا كقيادة لنادي ترفيهي، أو لتنظيم رحلة لزيارة معالم تاريخية!

فأين القيادة الفكرية القادرة على طرح أفكار ورؤى وتصورات حقيقة للأزمة المُعاشة؟ وأين القيادة التنظيمية والحركية القادرة على التفاعل مع الحدث بحجم ما بهِ من كوارث؟

فالقيادة الراشدة لا يظهر ثقلها وأهميتها إلا في لحظات شدة الألم والكوارث، بقدرتها على تنظيم الصفوف، ولملمة الجراح ومداواتها، والإعداد لإعادة الكر أو تغيير ووضع إستراتيجية جديدة للتفاعل مع تطورات الأحداث وهذا ما باتت تفتقد إليه الحركة الإسلامية في مصر.!

لقد وقعت قيادة الحركة الإسلامية في مصر، في العديد من الأخطاء التكتيكية والإستراتيجية الخاطئة والتي مكنت وساعدت السلطة العسكرية خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة يناير في الإجهاض على التجربة الديمقراطية الوليدة، وكذلك في أعقاب الانقلاب العسكري ما جعلهم يساهمون بشكل غير مباشر في إنجاح مساعي السلطة العسكرية في الانفراد بمقاليد البلاد، وتصدير واقع مُغاير تمامًا للواقع المُعاش، واكتساب شرعية دولية وإقليمية ساعدته حتى الآن في المضي في إجراءات أكثر قمعية بحق معارضيه.

وفى أزمة غياب وعى القيادة، وتصدير اللاكفاءات، يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة "صاحب نظرات في مسيرة العمل الإسلامي":
"إن هذه التنظيمات -في معظمها إن لم نقل كلها- انتهت إلى لون من القيادات التي ظنت أن القيادة تعني الإشراف الإداري، وعجزت عن إنتاج قيادات فكرية. ذلك أن هذه القيادات -بطبيعتها الإدارية الرتيبة- تضيق ذرعا بأي تطوير أو تفكير أو تغيير، وكل الذي يعنيها: الإبقاء والإصرار على صورة الماضي للمفكرين الرواد الأوائل، على الرغم من تغير الظروف والأحوال والمشكلات. وعلى أحسن الأحوال يمكن وصف تلك القيادات بأنها أغلفة لحفظ تاريخ الجماعات. وهذا الاستمرار الرتيب استدعى بطبيعة الحال تقديم الخطباء على الخبراء".

ويعود ليقول الأستاذ عمر عبيد حسنة، بكتابه "مراجعات في الفكر والدعوة والحركة" (ص116):

"إن من أمراض الحركات الإسلامية "تخليد فكر الأزمة"، مما جعل مواصفات القيادة ومؤهلاتها مواصفات شخصية أفرزتها الأزمة: من عدد سنوات السجن، والاعتقال، والمطاردة، والمواجه، والثبات .. دون حرية القدرة على اكتشاف المؤهلات والصفات الموضوعية للقيادة في كل عصر ومصر".

ويكمل:
"عجز الحركات الإسلامية وعدم قدرتها على استنبات قيادات متجددة ومعاصرة بالقدر المأمول، تضمن القدرة على التواصل.. وغالبًا ما تتوهم أن المحافظة على استمرار القيادات - حتى ولو أصبحت عاجزة - نوع من الوفاء. الأمر الذي جعلها تتجمد، وتتحنط، وتتكلس، وتتحول لتقتات بتاريخه، وقد نسيت هذه الحركات أن الثبات إذا كان واجبًا، فإن التغيير ضرورة".

كما لاحظ "هرير دكميجيان" وهو من أوسع الخبراء الأمريكيين اطلاعًا على مسيرة الحركات الإسلامية، "أن تطور الحركة الأصولية الإسلامية سيتوقف على نوعية قيادتها السياسية والثقافية".

وفي الظروف الحالية تعاني الحركة بشكل جدي من القصور في قيادتها الفكرية والسياسية والتكتيتية!

وفي مقارنته لميزان القوى بين الدولة والحركة الإسلامية في عدد من الدول العربية، توصل إلى النتيجة المنطقية المترتبة على القصور القيادي والتنظيمي السائد الآن في الحركات الإسلامية، فقال في كتابه "

الثورة الإسلامية" ص165:
"بغياب طليعة منظمة، فإن الصراع الذي لا محيد عنه بين الحركات الأصولية والدولة ستميل كفته لصالح الدولة في المستقبل القريب على الأقل".

إن الحماسة للحق والدافع عنهُ شئ، وغياب الوعي وعدم إدارك ما يجرى من أحداث وتطورات وتحديات وتغيرات في العالم شئ أخر، وإن قيادة لا تُدرك حجم الكارثة ولم تعد إلى تاريخ مضى لها وهو زهاء قرن، لتتعلم منه وتكتسب من خبراته، مفترض أن ترحل في صمت غير مأسوف عليها.

لقد أصبح الدواء جزءًا من الداء، وهو ما يجب أن تدركه الحركة الإسلامية في وقتها القادم، أنها بحاجة لطليعة منظمة، وعلى شباب تلك الحركة، أن ينظموا من أنفسهم، ويحاولوا اكتساب الخبرات الفكرية والتنظيمية والتكتيكية الممكنة التي تؤهلهم وتطرحهم كبديل في الوقت المناسب، فالقيادة النخبوية التي لم تتعلم من أزمات ومحن تاريخية سابقة لا أمل يرجى منها.

ختامًا، إن صفات الطيبة والرأفة والتراحم تلك صفات موضعها الصحيح، هو كتب المواعظ لا كتب التاريخ، بينما تحتاج الحركة الإسلامية إلى شخوص يملكون القدرة على التفاعل مع الأحداث والمتغيرات، فيطرحون الرؤى فيصبون ويخطئون، وذلك من صناعة التاريخ، ولكنكم لا تحبون الناصحين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.