المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء محمد الفقي Headshot

بائع الفجل يتحدث الفصحى

تم النشر: تم التحديث:

يزعجني الإلحاح المتواصل لأفكاري المحتجزة.. في محاولة منها لإقناعي بالشروع في تنفيذها، ولأن تلك الأفكار أصبحت تتكاثر بجنون في الآونة الأخيرة، فقد أصبح تجاهلها هو الحل الأمثل بالنسبة لفتاة مثلي، لا يستهويها إرضاء أفكارها العابرة كما يستهويها إرضاء شعورها الدائم بالنعاس.

لكن كتاباً ما أوقع بيني وبين وسادتي قبل يوم أمس، ليأخذني بعيدا إلى عالم جميل تذكرت فيه حبي المفرط لشيء ما، وجدت نفسي مجبرة على مسايرة خلايا جسدي المقشعرة، بفعل تيارات من الجمال في أسلوب الكاتب ذكرتني كم هي جميلة لغتنا العربية.

شجعتني كفاية للخضوع إلى فكرة تحدي نفسي لأتكلم اللغة العربية وأعيش حروفها.

وبحكم مجتمعنا الذي سرعان ما يتصيد أي حدث لا يمت بصلة للتفاهة، ثم يبدأ بالسخرية من محاولات جادة لتطوير الذات واكتشافها، قررت أن أكتفي بممارسة لغتي الأم على مواقع التواصل الاجتماعي دون أرض الواقع البائسة والمثيرة للشفقة.

منذ الصفحة الأولى في الكتاب، سرحت بعيدا في الخيال لدولة كل من فيها من الأمير وحتى بائع الفجل على حافة الطريق يتحدثون بلغة القرآن، كم كان كل الناس على قدر من العقل والرزانة ليتحدثوا بلغة عبقرية كهذه.

ففي حين يأخذك تعلم لغة أوباما وجورج واشنطن سنتين فقط من التعليم المكثف، تسلبك لغة الضاد كل جهودك؛ فلن يتعلمها بكل محتوياتها إلا من قضى دهراً من عمره كافياً ليستطيع أن يفرق بين "الجَدُّ والجُدُّ والجِدُّ".

كلمات أجزم أنك أيها القارئ المتحدث للعربية بطلاقة لن تستطيع تمييز معانيها المختلفة تماماً على عكس طريقة كتابتها.

وهذا أقل المتوقع من لغة بلغ عدد كلماتها رقما مهولا وصل إلى 12 مليون كلمة، مقارنة باللغة الإنجليزية المتمثلة في 600 ألف كلمة، والفرنسية التي اقتصرت على 150 ألف كلمة فقط.

ومع ذلك تجد الكثير من الناس في يومنا الحاضر يتفاخرون بمعرفتهم لمصطلحات أجنبية رائجة، وتراهم يحشرونها بين كلمات أي جملة قد تخرج من أحدهم، حتى يلاحظ الجميع بأنهم مثقفون وopen minded!

لقد سلبنا الغرب كل حضارتنا حين قررنا اتباعهم، وأصبحنا نخطو خطاهم بخيارات وتصرفات عفوية منا أقل ما يمكن وصفها به أنها زُرعت فينا منذ الصغر.

أتذكر عصر الرقي والنهضة عندما كان العرب ملوك العالم، بدولة ذهبية مضيئة تمتد من غابات وقصور الأندلس حتى حقول الأرز في الصين.

لما كانت معظم الأقاليم متوجة بشرع الإسلام وحكمه، بينما غرق بقية العالم في ظلام حالك، وفي محاولات يائسة منهم لاقتباس بعض من الحضارة العربية، يضيئون بها ظلام الجهل والظلم السائد آنذاك في شوارعهم الضيقة.

حضارة تشبعت بالأدب والرقي في التعاملات، تعاملوا باحترام كافٍ لجعل أحدهم يخجل من كسر هذا الاحترام بأفعال مشينة، لم ينادوا بعضهم بـ "يسطا" ولا "يا معلم" ولا حتى "باشمهندس" فكلهم علماء يسعون ويجدون في سبيل العلم، بغض النظر عن ألوانهم أو مستوياتهم الاجتماعية.

حتى البسطاء من الشعب يسعون لطلب الرزق بقلوب نقية راضية، ويضعون الإتقان في العمل شعاراً أمام عيونهم لا يغفلون عنه للحظة.

استيقظت من حلمي على أصوات الشارع الباردة وروتينيتها المألوفة.

انهارت معها أحلام يقظتي الوردية بالعيش في دولة عربية بحق، عزمت بعدها بالبدأ في تغيير نفسي لعلي أكون حبة الذرة المنفجرة الأولى، آملة بأن أطرب مسامعي قريباً بفرقعات ما تبقى من حبوب الذرة الخامدة في قيعان عالمنا العربي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.