المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء  الدويلة Headshot

كم أحتاج لـ "موت مؤقت"!

تم النشر: تم التحديث:

ما بال عقارب ساعتي باتت كئيبة جدا، لا تقوى على حركتها المعتادة، وكأنه أصابها شلل أعاق مضيها نحو الدائرة.
فكم أشفق على مخدتي المسكينة من تدحرج رأسي يمنة ويسرة وهو مثقل بأحلام بوليودية، ولا أدري من أين تأتيني تلك القصص المميزة بسيناريوهات محبوكة ومشوقة تجبر عيني على توسع حدقتيهما لتتأملا تفاصيل نقوش سقف غرفتي الصغيرة.
أوه.. هكذا تبدو حالتي حينما يكرهني النوم!
حتى في الليالي المقمرة، يثيرني ذلك الخيط الفضي المتسلل من ثقب نافذتي المتعبة، ويستفزني كثيرا حينما يلمع بين عيني المرهقتين.
غدا أطول أيام السنة، والشمس مقبلة في دورتها قادمة من الأمريكتين لتشرق على مدينتي المكتوب عليها الركون وسط جغرافيا إحدى الدول اللاهثة خلف النمو المستحيل.
ماذا سأصنع في صباح غد الذي تفصله ساعتان فقط عن هذه اللحظة؟!
أجزم يقينا أنني لم أعد أكترث لتمارين الصباح، ولم يعد لدي وقت أضيعه لاحتساء قهوته المملة، أو أن أجهد ناظري في تقليب الصحف اليومية، فجل صفحاتها مستنسخة من أخبار البارحة التي تصلني عبر رسائل الجوال وعادة أكتفي بما أتصفحه من مواقع إلكترونية.
كل ما يستحوذ على خلايا تفكيري الآن، كيف لجفنيّ المنهكين أن يغطا في موت مؤقت؟ حتى يبصرا بشيء من النشاط صباحا جديدا (لا جديد فيه)!.
أخبرني أحدهم ذات مرة بأن الأرق في حد ذاته ليس مرضاً، وإنما يمكن النظر إليه على أنه في المجمل عرض لمشكلة طبية أخرى، كالصداع تماما بأنه عادة ما يصاب به الإنسان نتيجة لمشكلات طبية مختلفة، وأعتقد أنه كان يخبرني بذلك كي لا أقلق نفسي من ملازمة ذلك الأرق المنهك الذي يرافقني في كل ليلة.
فلم تشف فضولي تلك الجمل المكررة التي يخبرني بها صديقي في كل مرة ألتقي به أشكوه فيها من شح جرعات النوم التي من المفترض أن أتعاطاها.
تذكرت أنني أعرف زميلا قديما، كان مقربا مني وقتما كنا ندرس معا في الثانوية، ثم التحق بكلية الطب، بينما كان نصيبي في الحياة أن أكون جنديا أحارب بإخلاص في بلاط صاحبة الجلالة، وكُتب علي شقاء الركض خلف المتاعب ما حييت، فأخبرته عن مشكلتي مع النوم، وما تشكوه عيناي من أرق مجهد، فأجابني وهو يضحك قائلا: "أنتم الصحفيون من الطبيعي جدا أن لا تناموا، لأنكم تحرمون الناس من النوم بسبب أخباركم المثيرة والمقلقة". فاجأني بإجابته المتهكمة، ثم أردف قائلا: "لا عليك يا صديقي معظم الذين يأتون لعيادتي يعانون من الأرق، فللأزمة التي تمر بها البلاد أسباب كفيلة بأن تفتح جفنيك كلما أغمضتهما".
ثم اصطحبني بسيارته في جولة سريعة حول المدينة، وهو يتحدث عن الأرق كمشكلة صحية يعاني منها كثير من الناس، ووجه إليّ جملة من النصائح الثمينة، أولها أن تكون بيئة غرفة النوم مناسبة، فنصحني بأن أحرص على استبعاد مصادر الإزعاج التي يمكن إسكاتها مثل الهواتف الخلوية والأجهزة اللوحية والكمبيوترات وغيرها، ولتكن الغرفة معتمة طيلة ساعات النوم، ويجب أن تكون ستائر النوافذ قادرة على حجب الإضاءة صباحا.
ثم التفت إليّ ووجه سؤالا: "هل ما زلت تدمن شرب الشاي الأخضر؟!"، فأجبته: بطبيعة الحال نعم، فأخبرني بأنه من الضروري جدا أن أتجنب تناول الكافيين قبل ست ساعات من موعد نوم، فالشاي الأخضر يتساوى مع الأسود في درجة الكافيين, وإن كان يقال: إن الشاي الأخضر به ملطفات أفضل, وهو يحوي على مكونات مضادة للأكسدة, وهذه مفيدة جدًّا للجسم من الناحية الصحية.
حتى اختتم حديثه قائلا: "بأن نوعية الحياة لكل شخص، ومقدار ما فيها من حركة وحيوية خلال النهار، تعتمد إلى حد كبير على جودة النوم في الليل، وفي المقابل، يمكن علاج كثير من مشكلات النوم من خلال ما يقوم به الفرد خلال النهار".
ومضة:
أفتقد ذلك النوم الذي كان يأتي وحده ليلًا، ليتسرب داخلي برفق، ويطيب خاطري، فكان يأتي رقيقًا، ويغادر رقيقاً، وأقوم كمولودٍ جديد يستقبل الحياة لأول مرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.