المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء الرشيد Headshot

قل لي مصدر معلومتك أقل لك من أنت!

تم النشر: تم التحديث:

علاقتي مع "المَصْدر" غريبة عجيبة.. توطدت مع الأيام، تسري مع التفكير والكتابة وتعدّت في الحكم على إنتاج الأشخاص، مما يكتبون أو يقولون أو ينشرون. أتضايق إن نُشر عنّي ولم يذكر المصدر! ليست أنانيّة بل إرجاع الأمر لأهله وهم أحق به.

غصّت ساحات شبكات التواصل الاجتماعي بالناقلين المُتنقلين، وفي ليلة "ما فيها ضوء قمر" لا يتورّع رواد "نيوميديا" عن الإطاحة عن المصدر والتغنّي بكلمة "منقول" وإن كان صاحبها معروفاً.

كالصحافة الصفراء لا تتورّع عن إثارة معلومات ضعيفة المصدر، غير مؤكدة، معكوسة، مغلوطة ومبتكرة حسب مصلحة الانتشار تنطلق كالبالون ملئ بالهواء والهراء على طريقة: أكد باحثون، مصدرنا، شاهد عيان "ما شافش حاجة"!

قبل قليل شاهدت مقطع فيديو أضاف لي فكرة جديدة ومعلومة لم تتجاوز مدته 10 دقائق، وصلتُ إليه عبر موقع نشر مقطع الفيديو، قررت أن أنشر الفيديو في بروفايلي الفيسبوكي، من منظوري وجدت من العدل ألا أنشر الموقع الذي نشر عنه بل العودة إلى المصدر وهو الشخص، بحثت هل لديه صفحة فيسبوك، تويتر، يوتيوب، موقع شخصي.. استغرق معي الأمر بعضاً من الوقت لكن لن يأخذ الكثير مقابل أن أخدم الشخص في الإشارة إلى مصادره.

في اعتقادي تعتبر هذه "مسؤولية اجتماعية" علّنا نفكر فيها ونسير على نهجها في زمن انتشار المعلومة وضياعها مع التداول الإلكتروني الضخم الذي لا يخضع للرقابة ولا إلى القانون.

ذات مرّة علمت من قصّة ضجّ لها مرقدي وقد كنت شاهد عيان في بعض مشاهد الحكاية؛ طالب دراسات عليا طُلب منه واجب لإحدى المواد العملية عمل تقرير تلفزيوني، اختصر الطالب الطريق واختصرت المؤسسة الشريكة في "السرقة" وقدّمت تقريراً جاهزاً له، تعب الطالب قليلاً بإعادة تسجيل النص ذاته مرّة أخرى مع بقاء الصورة (الفيديو) كما هي..!

كثيراً ما تُهدر حقوق لكن الحكاية أثبتت مقولة "حبل الكذب قصير"، ففي مصادفة محضة استمع صاحب النص الأصلي للتقرير بصوت السارق في أحد المواقع التعليمية.. وكُشف المستور! لا يهم هنا ماذا حدث في النهاية، على قدر ما يستوجب الحزن على مصادر ضاعت في أيدي "مهربين وجُناة" مصدر المعلومة إن جاز التعبير.

البحث العلمي بؤرة للحفاظ على المصدر وتعلّم توثيق المعلومة.. إن كانت من كتاب أو بحث أو قول شخص وعداها.. للبحث أدبيّاته الخاصة المعمول به عالميّاً في جميع اللغات.. تجربتي الحقيقية للتوثيق في البحث العلمي مع رسالتي للماجستير، رغم وجود قَدْر من صعوبة الأمر حيناً إلا أن هناك شعوراً بالرضا في الحفاظ على حقوق زملائك الباحثين، كما هي المُساهمة في نشر معلومات التي نالت منهم الجهد والوقت الكثير.

اللطيف والعجيب أيضاً أن تجربتي في البحث العلمي أني كشفت اللثام عن كتّاب مشهورين وباحثين على الأقل في المجال الذي بحثت عنه "الإعلام" كيف يتناقلون المعلومة "كوبي بيست" دون أدنى إشارة للمصدر.. وكم تتبعت جُملاً نُقلت كما هي في أكثر من بحث وكتاب ومصدر.. جُمل كما هي!

وإن أردت التوسّع قليلاً بما وراء المنظور في المصادر والأبحاث، هنا رسائل ماجستير وأبحاث ارتبطت باسم أحدهم والمصدر آخر أنجزها لهم.. يعني تجارة بيع وشراء لأبحاث الدراسات العليا، وقد اعتراف أحد الطلاب المشترين بذلك لي شخصيًا.

لا أخفيكم، بسبب "المصدر" أصبح لي هواية في اقتطاع جزءاً من النص في المقالات والمدونات ثم البحث لدى صديقنا الوفي (جوجل) وكشف الكثير من النصوص المنقولة لا تعترف بأصحابها الأصليين!

أعزو ارتباطي وحبّي للمصدر بفضل من علّمني الصحافة، أخبرونا قبل النشر اطرح على نفسك السؤال: ما مصدر النص، الصورة، الفيديو...؟ هل من وكالات أنباء، شاهد عيان، مراسل الوسيلة الإعلامية، الموقع الإلكتروني، هل هناك مصادر متعددة، أيها أعتمد؟ ما موضوعيّة المصدر؟ ما وكيف ننتبه لأخبار الصحافة الصفراء؟ علمونا كيف نستطيع بناء جسور من الثقة مع الجمهور.

أخبرني أحد الزملاء عن جهة إعلامية عالمية أرادت أن تختار صحفياً يعمل معها، اعتمدت كأحد أساليب اختيار الصحفي التجول في منصات التواصل الاجتماعي الخاصّة به لمعرفة إن كان يحرص على ذكر "المصادر" في منشوراته! انتبه أيها الصحفي لعّل فرصة ضاعت عليك لضياع مصدر من منشوراتك أو كتبت كلمة #منقول!

موقف آخر أخبرتني به زميلتي الصحفية قبل شروعها في إعداد تقرير مرئي لإحدى القنوات الإخبارية العالمية، حيث طُلب منها ألا تستخدم أي مؤثر موسيقي غير معروف المصدر كالمؤثرات المنشورة في الإنترنت من هنا وهناك، ولها خيار وحيد وهو عزف مقطوعة خاصة للتقرير مع بيان اسم العازف! أبسط ما يمكن قوله، مهنيّة إعلامية تحتضن المصدر.

اجعل من قلمك مصدراً وأيضاً ناقل مصدر يُثبت ما تدوّنه، ولا تكن أداة تنقل ولا تدري من أين وكيف، ولا تثق ثقة عمياء بأي وسيلة، تأكد بنفسك وتتبّع. العودة للمصدر باتت سهلة مقارنة بعصور سابقة سافر العلماء من بلد إلى بلدان أخرى بعيدة لتثبيت معلومة في الكتب (مصادر).

كن صانعاً لمحتوى عربي في الأدب والفن والإعلام والسياسة والدين وعلم الاجتماع والطب والهندسة وسائر المعرفة العلمية والإنسانية.. جدير بنا أن نصبح مصدراً نزوّد الحضارة العربية بالمعرفة الحقيقية، ففي المعرفة قوة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.