المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آلاء الرشيد Headshot

عيون ترصد وذكريات تنتعش

تم النشر: تم التحديث:

حدث ذلك في جامعتي التي درست فيها ماجستير إعلام في الأردن، أحببت أن استرجع ما دوّنته من أحداث حينها رغم مضي عام على التخرج.

مشهد1:
ففي جلسة مراجعة حثيثة قبيل امتحان "مقدمة في الاتصال" مع زميلاتي.. لا بد من استراق النظرات لمن حولي.. كالمعتاد يتسرّب الملل سريعًا ويمعن العقل للخيال!

كانت هناك مجموعات متآلفة من جنسيات مختلفة تقبع في زوايا كافتيريا "للدراسة وتناول الطعام ولقاء الأحباب".. رحاب جامعة تضم تشكيلة تمنحها التنوع.. (أذكر أن التميّز ميزة.؟ أليس كذلك).

يُقابل مكان جلوسي في الكافتيريا مجموعة طلاب وطالبات من العراق الشقيق.. يتبادلون الحديث سعداء بالحوار حول مادة الامتحان، وبمعرفتي ببعضهم هم طلاب ماجستير حاسوب.. يتخلل أحاديثهم كلام عن الوطن وهمومه! متبادلين حديثهم باللهجة العراقية.. ما علا من أصواتهم ليغدو مسموعًا لديّ أفهمه رغم حديثهم باللهجة العراقيّة العريقة.. أكاد أجزم أني ملكت حصيلة جيدة جدًّا من المصطلحات فأغلب من درّسني في البكالوريوس أساتذة عراقيّون، والآن في الماجستير ذات النسبة.. عدا اهتمام شخصي بـ عاصمة الرشيد (بغداد)..

ربما اليوم وعلى غير العادة حدّقت في عيونهم وفي الـ "body language" وفي ابتساماتهم وضحكاتهم.. لا أدري ما السر الذي يخفيه هذا الشعب رغم المأساة المخنوقة في حناجرهم..!

قلت لإحدى صديقاتي العراقيات ذات مرّة وهي تسرد في حديثها عن زيارتها لـ بغداد ومتى ستعود: "خذيني معك.. أمنيتي!" ضحكت ونهرتني بعدم إعجابها بالفكرة لأن لا حياة هناك ولا مشاهد تبعث السرور.. قلت لها: "مهما يكن فهذه بغداد!".

أعلم أنني خرجت خارج النص.. ما المشكلة فالجميع خارج النص! الثورات خارج النص.! الأمم المتحدة خارج النص.! الجراح السوري خارج النص..! المؤسسات خارج النص! الأخلاق خارج النص! الموضوعيّة خارج النص! والإنسانيّة خارج النصوص!! فلم لا أكون متمرّدة خارج النص أيضًا!

أعود إلى النص لمواصلة ما حصدته كاميرا عينيّ آلاء في ذاك اليوم!
طلاب آخرون من الكويت يمتازون بالطيبة والقلب الكبير.. كلما أراهم تعود بي الذاكرة إلى أيام جميلة عشتها في الإمارات. فاللهجة والكندورة "دشداشة" والشماغ.. مجموعة جيدة جدًّا معنا في تخصص الإعلام.. بوجودهم يومي السبت والأحد باللون الأبيض يطغى في المكان.. يعجبني اعتزازهم بالزي الرسمي لموطنهم، أحاول أن أتجرّأ وأحادثهم مما بقي عالقًا بلساني من اللهجة الخليجيّة.. لكن أتراجع خشية "التخبيص".. وأعود أدراجي للهجتي المخلوطة ما بين الحلبي المخفف المائل للمصطلحات السوريّة السائدة.. واللهجة الأردنيّة المشوّحة بالفلسطيني.. توليفة غريبة حقا!

وفي نظرة عميقة إلى الأحبة الأردنيين .. يلفت نظري أن الطلبة الموجودين في الجامعة من العائلات الأردنيّة العريقة والقديمة.. أسماء عوائلهم دالّة على ذلك.. والسحنة البدوية الملفوحة بالشمس..

تُراجع زميلتي الأردنيّة من أصل بدوي معي الامتحان -الذي هو أصل الحكاية!- وأنظر مندهشة وهي تصنّف الطلاب الأردنيين وكل واحد من أي عشيرة وقبيلة.

سألتها ما دُمت الخبيرة بالأخبار والمعلومات عن الطلاب: "ما قصّة وفاة طالبين من طلاب الجامعة.. يحيى وليث؟" أجابت أن أحدهما كان مع صديقه وتوفيّ في طريق العودة، والآخر يقف على جانب الطريق ودهسته سيارة!

بقدر ما حزنت على طريقة وفاتهم.. بقدر ما تسمّرتُ أجوبُ بنظري نحوها ونحو كل من حولي من الشباب والصبايا! وهم في غمرة انشغالهم وحياتهم الطبيعيّة.. أحزن بأن لا نعتبر من قصص رأت عيوننا أبطالها..

مشهد 2:
حان وقت الامتحان مع الدكتور صباح، (3) أسئلة .. أجب عن سؤالين .. أعجبني الامتحان كونه يقيس مقدار الفهم لا "copy & paste" .. اخترت سؤالًا عن: التشويش في العملية الاتصالية وأنواعه.. وسؤالًا آخر فحواه "الحديث عن دور الإعلام والاتصال في العلاقات الدولية في السلم والحرب" ،، حققت ما يريد الدكتور من إجابة بالتطرق في الحديث عن (العولمة) ونوع من أشكال الاتصال (الاتصال الدولي).. واسترسلت بالحديث عنه..

وساقني الحديث عن جزئية "الحرب" في السؤال وما زالت مجزرة القبير التي حدثت في حماة مرسومة في مخيلتي منذ فجر ذاك اليوم والتي حالت دون إتمام دراستي.. ولـ الثورة السورية نصيب في إكمال الإجابة..! (حدثت المجزرة في ذاك الوقت عام 2012)

سلّمت ورقة الإجابة للدكتور وقلت له: "ستقرأ مقال لا إجابة".. سألني: "هذا ما أريده، هل راجعت؟" أجبت: "لا كالمعتاد لا أراجع ورقة الامتحان" ..
ولن أتراجع عن حقي في الحريّة والمواطنة!