المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء عبد الفتاح Headshot

في ذكرى "يناير": لم يبق غير الكلام عن موت الكلام

تم النشر: تم التحديث:

منذ حوالي خمس سنوات جلست إلى مكتبي في شركة صغيرة لتكنولوجيا المعلومات في بريتوريا (بجنوب إفريقيا) أتظاهر بالعمل وأكتب مقالًا قصيرًا لصحيفة الجارديان. كان ذلك آخر أيام حياتي العادية. وكان موضوع المقال هو ضرورة أن تؤخذ الثورة المصرية على محمل الجد، أو على الأقل هذا ما أتذكره، لأن ليس بمقدوري الرجوع إلى تلك المادة الآن. مضى أكثر من عام على آخر استخدام لي للإنترنت، ففي مصر لا يُسمح للسجناء حتى بمكالمة هاتفية. ليس لي أن أشتكي، فحظي أحسن من غيري. أحصل على زيارة عائلية مرتان أو ثلاث في الشهر على الأقل، في حين لا يُسمح لغيري من السجناء السياسيين (خاصةً المنتمين لجماعات إسلامية) بأي زيارات.

في ذلك اليوم قبل خمس سنوات شاركت لأول مرة في المعركة التي- بعدها- استغرقتني تمامًا خلال الأربع سنوات التي تلت، معركة سرد الثورة. إلا أني في ذلك اليوم لم أكن متأكدًا بعد أن ما يحدث في مصر يمكن اعتباره ثورة. خشيت أن يكون ما يحدث مجرد فورانًا مؤقتًا، حتى وأنا أكتب آملًا عن ميلاد فكرة وحدوية عربية شابة تستمد جذورها من السعي إلى الكرامة والعدالة.

استغرق مني الأمر يومًا آخرًا لقبول حقيقة ما يحدث، وثلاثة أيامًا أخرى قبل أن أتمكن من العودة إلى القاهرة والانضمام للتحرير، فقد انتقلت من الشك في عمق الثورة إلى الخوف من عدم اللحاق بأحداثها.

بعد سقوط مبارك تنامت أهمية المعركة السردية. فبينما اضطرت الدولة إلى إيجاد تسوية ما مع الثورة، سعت في نفس الوقت إلى احتوائها من خلال إحكام السيطرة على القصة. واستمرينا نحن في محاولات صياغة أسباب مواصلة الاحتجاج، بل أسباب اندلاع الاحتجاجات من البداية. هل يُعتبر الشباب الذي يقذف الشرطة بالحجارة ثائرًا أم مخربًا؟ هل يُحسب السجناء الذين لقوا حتفهم في أعمال الشغب في السجون ضمن شهداء الثورة؟ ما هو دور الجيش في نظام مبارك؟ هل للتعليم أن يستمر مجانيًا في الجامعات الحكومية؟ هل نحن بحاجة إلى دستور جديد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن يكتبه؟ وما إلى ذلك من أسئلة. كتبتُ وكتبتُ وكتبت، في الأغلب باللغة العربية، وفي الأغلب على مواقع التواصل الاجتماعي وأحيانًا في بعض الصحف اليومية. في أكثر الأحيان كانت كلماتي موجهة إلى رفاق الثورة، وشيئًا فشيء أصبح صوتي تحذيريًا، وأصبح تركيزي على مدى هشاشة اللحظة الثورية ومدى خطورة وضعنا. إلا أني لم أستطع التخلص من شعورٍ طاغٍ بالأمل، وباتساع أفق الممكن، فعلى الرغم من الانتكاسات واصلت أحلامنا في التحليق.

يتحدث الناس عن جدار الخوف ولكني كنت دائمًا أراه جدارًا من اليأس، وحين زال اليأس لم يتمكن الخوف أو المذابح أو السجون من إعادة الجدار. ارتكبتُ كل السذاجات التي يرتكبها الثوار المفرطون في التفاؤل: عدت إلى مصر بشكل دائم، أنجبت طفلًا، أسست شركة ناشئة، شاركت في سلسلة من المبادرات التقدمية التي تهدف إلى خلق ديمقراطية تتّسم بالشعبية واللامركزية والمشاركة، تحديت القوانين الجائرة والمحظورات البالية، دخلت إلى السجن مبتسمًا وخرجت منه منتصرًا.

في سنة ٢٠١٣ بدأنا نخسر المعركة السردية، فقد غلب عليها الاستقطاب السام بين نظام دولة شِبه علماني يعاني من سعار عسكري من ناحية، ونظام إسلامي شرس يعاني من بارانويا طائفية من ناحية أخرى. كل ما أتذكره عن ٢٠١٣ هو كيف بدا صوتي هستيريًا وأنا أكرر الصرخة الشكسبيرية "اللعنة على بيتكما معًا"، وكيف بدت شكواي ميلودرامية وأنا أستشهد بلعنة كاساندرا التي تحذر من نار آكلة للجميع دون أن يستمع إليها أحد. وبينما امتلأت الشوارع بمسيرات ترفع صور رجال الشرطة بدلًا من ضحاياهم، وامتلأت الاعتصامات بهتافات ضد الشيعة، وازدهر الحديث عن مؤامرات قبطية، لم يعد لكلماتي أي سلطان -إلا أنها لم تتوقف عن التدفق. كنت لا زلت أمتلك صوتًا وحفنة من المستمعين.

ثم قررت الدولة إنهاء الصراع بارتكاب أول جريمة ضد الإنسانية في تاريخ الجمهورية. أعادت مذبحة رابعة جدارَي الخوف واليأس معًا، وبدأت معركة سردية جديدة: كيف نقنع باقي الشعب بتقبل أن ما حدث ضد الإسلاميين كان بالفعل مذبحة، وكيف نقنعهم بضرورة رفض العنف المُرتكب باسمهم.

بعد مرور ثلاثة أشهر على المذبحة كنت قد عدت إلى السجن واتخذت كتاباتي دورًا جديدًا: بتّ أدعو الثوار إلى الاعتراف بالهزيمة، إلى التخلي عن التفاؤل الذي أصبح خطرا لأنه يشجع على التمسك بموقف من اثنين: إما الغطرسة العسكرية، أو إصرار غير عملي ومرفوض شعبيًا على تغيير كامل للنظام. كنا نحتاج إلى حشد كل قوانا لنتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه على الأقل من حقوق الإنسان الأساسية.

اخترت سردية الهزيمة لأن لغة الثورة نفسها كانت قد ضاعت وحل محلها مزيج خطير من مصطلحات قومية وأهلانية وخطاب جماعي وما بعد استعماري، وُظِّفَت جميعها من الطرفين لتلفيق نظريات مؤامرة معقدة ولنشر البارانويا.

في أوائل ٢٠١٤ كان طرح المشاركة في حملات حقوقية مقتصرة على إلغاء قانون التظاهر والإفراج عن السجناء السياسيين يُعدّ طرحًا مثيرًا للجدل بين الثوار الذين تمسك أغلبهم بتصديق إحدى سرديات نصر الثورة (وكان تعريف النصر إما بزوال جماعة الإخوان المسلمين أو بانتصارها) - بينما رفضت الأغلبية تقبّل فكرة أن حالة الطوارئ قد أصبحت هي الوضع الطبيعي الجديد.

اليوم يبدو وكأننا قد كسبنا تلك المعركة السردية بالذات. نعم لا زال للدولة مؤيدوها، ولكن أعدادهم آخذة في التناقص، خاصة بين الشباب. لم يعد أحد يناقش طبيعة أحداث صيف ٢٠١٣، ومضت لحظة جدال "ثورة أم انقلاب". لم يعد حتى أنصارالسيسي يتوقعون اقتراب الرخاء. من الأصعب قياس المشاعر الغالبة بين مؤيدي الجماعات الإسلامية. فمن المؤكد أن التعاطف مع محنتهم في تزايد ولكن الثقة في قدرتهم على تنظيم جبهة موحدة فعالة ضد النظام شبه منعدمة. اليأس هو ما يسود.

قضيت الجزء الأكبر من سنة ٢٠١٤ في السجن ولكن لم تكن كلماتي قد نضبت بعد، وإن كان غياب الأمل منها قد أفقدني جمهورًا. شعرت بأهمية التذكير بضرورة المقاومة حتى بعد الاعتراف بالهزيمة، بأن عودتنا إلى الهوامش التي ناضلنا للخروج منها أثناء حكم مبارك ما زال مقبولًا طالما واصلنا النضال من أجل الحقوق الأساسية. ولكن بحلول أوائل ٢٠١٥، حين استمعت إلى الحكم الصادر ضدي، لم يبق لدي ما أقوله في النطاق العام. بقت فقط قدرتي على كتابة الرسائل الشخصية، وحتى في تلك الرسائل بدأت سيرة الثورة بل وسيرة مصر نفسها في التلاشي. وبحلول خريف ٢٠١٥ كانت حتى كلماتي الشخصية قد نضبت. مرت شهور على آخر رسالة كتبتها وأكثر من عام على آخر مقال. ليس لدي ما أقوله: لا أمل، لا أحلام، لا مخاوف، لا تحذيرات، لا أفكار، لا شيء، لا شيء على الإطلاق. مثل طفل تظهر عليه علامات التوحد بدأت أتراجع وأفقد قدرتي على الكلام وقدرتي على تصور قراءً أو تخيل تأثير كلماتي عليهم.

أحاول أن أتذكر ما كتبته لصحيفة الجارديان قبل خمس سنوات في آخر أيام حياتي العادية. أحاول أن أتخيل رد فعل القراء. أحاول أن أتذكر وقتًا بدا فيه الغد غنيًا بالاحتمالات وبدت لكلماتي القدرة على التأثير (ولو قليلًا) على شكل ذلك الغد.

ولا أستطيع التذكر. الغد الآن سيشبه تمامًا اليوم والبارحة وكل الأيام السابقة واللاحقة. ليس بمقدوري التأثير على أي شيء.

لكن هناك شيئًا واحدًا لا زلت أتذكره، شيئًا واحدًا أعرفه: أن الشعور باتساع أفق الممكن كان حقيقيًا. ربما كان اعتقادنا أننا على وشك لمس الأفق بأيدينا ساذجًا، ولكن اعتقادنا بإمكانية أن نعيش في عالم مختلف لم يكن غباءً؛ كان إمكانية حقيقيًة. أو على الأقل هذا ما أتذكره.

النسخة الأصيلة من المقال نشرت باللغة الإنجليزية في صحيفة الجارديان هنا والترجمة للعربية نشرها موقع مدى مصر هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.