المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء عبد المنصف  Headshot

#تقنين_الجريمة

تم النشر: تم التحديث:

تعتمد الأنظمة والحكومات -غير الديمقراطية- دائمًا على فكرة (تقنين الأفعال)، وليس (الأفعال المُقننة)؛
بمعنى أنها دائمًا وأبدًا ترتكب الفعل -الصحيح أو الخطأ- ثم تقوم لاحقًا بوضعه في الإطار القانوني المناسب له، لا كما المُفترض أن يتم، بأن توضع القوانين واللوائح سابقًا، لتتماشي أفعال هذه الأنظمة والحكومات مع هذه القوانين واللوائح، فضلاً عن وجوب تماشيها مع المعاهدات والموثيق الدولية
المُصدق عليها.

ثم يأتي دور الأبواق الإعلامية، لتسوق هذه الأفعال على أنها من باب الضرورة المُلحة، بل وتنادي بضرورة تغيير القوانين لتتماشى مع هذه الأفعال.

تمامًا كما كان يفعل النظام في الماضي القريب، في مسألة أعداد البطالة من الشباب، فنجده يصدر بياناته الرسمية بأرقامٍ مُغايرة تمامًا للواقع وبفرقٍ شاسع، يتعجب منه القاصي والداني.

وفي حقيقة الأمر إن هذا النظام وحكومته في وقته -وما زال- يأتي بكل شاب تقدم لوظيفة -قُبل أو رُفض- ليقوم بتجميع هذه الأعداد المتقدمة للوظائف، وطرحها على الرأي العام على أن من إنجازات هذا النظام وحكومته تعيين وتوظيف هذا الكم من الشباب، على عكس الواقع تمامًا.

من هذا المُنطلق.. دأب النظام الحالي على استخدام هذه الفكرة -تقنين الأفعال- في جميع سياساته وقراراته وقوانينه؛ فنجده مثلاً، يدَّعى -وبشكلٍ قوي- عدم وجود حالة اعتقال تعسفي واحدة، وأن جميع من بالسجون مُحتجزون وفقًا لإجراءات قانونية صحيحة، نتيجة وجود قضايا عليهم.

والأمر في حقيقته مُغاير، كون أن المتابع الجيد لأفعال هذا النظام، يجد انتشار ظاهرة الإخفاء القسري بشكلٍ مبالغ فيه، حتى وصل مثلاً خلال الثمانية أشهر الأولى من 2015 -كما رصدته ووثقته التنسيقية المصرية للحقوق والحريات في تقريرها الأخير- إلى 1250 حالة إخفاء قسري، يقوم النظام بعدها -وبعد مدد متفواتة من عملية الإخفاء- بإظهار هذا المُختفي أمام أحد النيابات كونه مُتهمًا في عدة قضايا.

ومن ثمَّ فعندما يخاطب الرأي العام والمجتمع -وخصوصًا الغربي- يدعي زورًا عدم وجود حالة اعتقال تعسفي لديه.

هذه الفكرة -تقنين الأفعال- اتبعها النظام بشكلٍ صارخ فيما أصدره من القرار بقانون رقم 94 لسنة 2015 الخاص بالإرهاب؛ ففي ظل تنامي شبكة رهيبة من القوانين الاستثنائية المخالفة للدستور والمواثيق الدولية، وفي غيبةٍ عن مجلسٍ نيابي منتخب، يعبر عن الشعب وهمومه، مع استمرار حالة الفراغ التشريعي، فضلاً عمَّا تعانيه البيئة المصرية، من انتهاكٍ شديدٍ لحقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يأتي هذا القرار بقانون ليؤكد لنا فكرة "تقنين الأفعال" التي يرتكبها النظام الحالي مع المواطن، تعديًا على حقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ذلك أن جميع الأفعال التي ذكرها هذا القرار بقانون -معيب دستوريًّا- يفعله النظام مع المعارضين دون وجوده.

فنجد التضييق على حرية الصحافة والإعلام، وغلق القنوات والمنابر الإعلامية، واعتقال الصحفيين والإعلاميين، والتهديد المستمر بمتابعة صفحات التواصل الاجتماعي والقبض على من يسيء للنظام، وإهدار منظومة التقاضي، وتغول السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية، وعدم مُحاسبة رجال الأمن -الجيش والشرطة- على الجرائم المُرتكبة منهم أثناء تأدية وظائفهم بحجة اضطرارهم لاستخدام القوة، وما ذكره القرار بقانون من تعريفات فضفاضة ومطاطة للعمل الإرهابي يساوي بين الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية وبين التنظيمات الإرهابية، هذا فضلاً عن كم المواد المخالفة للدستور والمواثيق الدولية التي صدقت عليها مصر.

ويأتي هذا كله، رغم اعتراض معظم الجهات المعنية في هذ الشأن، من المجلس الأعلى للقضاء، والمجلس الأعلى للصحافة ونقابة الصحفيين، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وجميع المؤسسات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني.

ومن ثمَّ -ونتيجة الضغط الحقوقي ومع شدة الانتهاكات- احتاج النظام إلى تقنين الفعل الذي يقوم به، حتى يستطيع مخاطبة الرأي العام والمجتمع -ومرة أخرى وخصوصًا الغربي- بمشروعية ممارساته وأفعاله مع المعارضين.

ثمّ يأتي دور الإعلام -المُوالي- ليصدر للمجتمع أهمية هذا الأمر، في ظل ما تعيشه مصر من ظاهرة الإرهاب، حتى نادى البعض بضرورة تغيير الدستور ليتماشى مع ما يصدره رأس السلطة التنفيذية من قوانيين!

وبالتالي، فما أقدم عليه النظام من إصداره لهذا القرار بقانون، ما هو إلا حلقة من حلقات تقنين الأفعال، وليس الأفعال المُقننة؛ والتي تؤكد وتثبت لنا يومًا بعد يوم، أن حقيقة ما يقوم به النظام فيما يقوم به من سياسات، وما يصدره من قوانين وقرارات، ما هو إلا التوصيف الحقيقي لفكرة "تقنين الجريمة"؛
فما يقوم به النظام بهذا الشكل، هو "جريمة" وليس "فعلًا"، جريمة تُضاف إلى جرائمه المتعددة التي يرتكبها بحق المواطن في حقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع