المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الاء حمدان Headshot

خلف الكواليس.. (فلا يَغُرَنَّك)

تم النشر: تم التحديث:

خلف الكواليس - فلا يغرنّك

منذ طفولتي عند مشاهدتي لأفلام يحدث فيها جرائم أو قتل، تسارع والدتي إلى تغيير القناة وتخبرني أنّ ما رأيته هو "مٌربّى البندورة" وأنّها دماء مزيّفة. وكُنّا عندما نشاهد فيلماً رومانسيّاً ويموت فيه البطل بسبب مرض تقول لنا والدتنا لتهوّن علينا "لا تقلقوا، فلقد ذهب هذا البطل للحصول على أرباحه".

ولكنّني في كل مرّة تخبرني فيها والدتي ما الذي يحصل فعليّاً خلف هذه المشاهد التي نراها على الشّاشة، كنتُ أتمنّى لو أنّني أجلس خلف الكواليس، بدلاً من أمام الشّاشة. أريد أن أعرف حقّاً كيف وصل هذا المشهد لنا، من صاحب الفكرة؟ من اختار الألوان والممثلين والصّورة؟ هل كان صعباً؟ كم من الوقت احتاج؟ كيف وصل إلينا هذا المشهد بهذا الكَمال والجمال؟

وعندما أصبحت حقّاً مِن هذا العالم، عالم الأفلام والإخراج. أصبحتُ أكتُبُ أحياناً النّص وأختار من يذهب ومتى وإلى أين. اختار أن لا أحذف المشهد الذي يبكي فيه الرّجل متأثّراً بذكرى، وأن لا أقتطع مشهداً عفويّاً لامرأة تتردّد أثناء الحديث عن ابنها المريض. أدركتُ حينها أنّ ما نشاهده على الشّاشة، هو فقط الخُلاصة، خُلاصة ما يختار المخرج والفريق، خلاصة عملٍ مُضنٍ ومُرهِق، ليصل لنا المشهد كامِلا نستمتع بِه في السّينما مع عائلاتنا.

قرأت مرّة جُملة علقت في ذهني وهي "لا تُقارن آداء فريقك خلف الكواليس، بآداء فريقهم على المنصّة"، وحينها عرفتُ أنّنا فِعلاً كثيراً ما نقع في فخّ المَشاهد على الشّاشة أو المَشاهد في حياتنا اليوميّة، نُغرّر بجمالها وكمالها وحُسنها وإتقانها غير مدركين الآلام والمتاعب والضّحكات والدّموع التي حدثت خلف الكواليس، لِنُخرِجَ للعالم فيلماً قويّ العناصر، ومتين البُنية، وظيفته إدهاش العالم وإبهارهم بقصّة جديدة.

لو فكّرنا قليلاً كيف أنّه خلف كلّ مشهد متكامل العناصر هناك الكثير من العوامل، فهناك المصوّر والمنتج والمخرج والكاتِب ومساعد المخرج والمسؤول عن الملابس والمكياج والاكسسوارات والإضاءة وموقع التّصوير وغيرها. سندرك حينها أنّنا أيضاً عندما نرى صورة لشاب تخرّج من الجامعة بتفوّق، أو امرأة حصلت شركتها على جائزة عالميّة، أو رجل عقد صفقة تجاريّة رابحة، أن تلك الأمور ما هي إلا نتاج عوامِل كثيرة، ربّما لم نسمع ضجيجها أثناء العمل، ولكن كُن على ثقة أنّها ممزوجة بالعرق والتّعب والدّموع أحياناً.

لا تقارن ما يحدث من مشاكل في منزلك، بصورة نشرها زميل لك له ولعائلته على شاطئ بحر في جزيرة ما. ولا تقارني فشلك في مشروع ما بإنجاز صديقتك الذي تتحدّث عنه الصّحف والمجلّات. لا تقارن "خلف كواليسك" بـ "منصّة غيرك". لكلّ منّا كواليس تُبقينا مستيقظين ليلاً، تُصيبنا بالألم أحياناً، يؤرقنا التّفكير بِها أحياناً أُخرى. كلُّ إنسانٍ يريد أن يرسم مشهداً متكامِلا لإنجازاته او حياته سيواجه طريقا وعرة، وتحديّات عليه أن يجتازها، وحلولا عليها أن يجدها.
هُناك من وَلِد غنيّاً (خلف الكواليس) فأنشأ شركته الخاصّة في وقت قصير(على المنصّة)، أمّا أنت فقد تكون فقيراً تعمل ليل نهار (خلف الكواليس) وبعد أعوام خرجت للعالم بشركة مميّزة (على المنصّة). وهناك من دخل عالم الإبداع والفنّ وقد توفّرت له الظرّوف الدّاعمة (خلف الكواليس) فتميّز وأبدع (على المنصّة)، ولكن ذلك لا يعني أن لا تخلق لنفسك ظروفا مناسبة وتعمل جاهداً وأضعافاً مضاعفة (خلف الكواليس) لتنجح أيضاً (على المنصّة). تذكّر أنّ هدفك، المنصّة!

حياتنا غير مرسومة على منحنى واحِد يُظهر من منّا المتفوّق ومن علاماته منخفضة. لكلّ إنسان منحى خاصّ بِه، يرسم تعرّجاته بجهوده، أمّا منحنيات الآخرين فهي ليست من شانِك، ومُتابعتها ستتعبك، وأرقامها ستصيبك بالإحباط أحياناً. وكذلك إنجازاتنا ليست سِباق عليك الفوز بِه، لا يوجد خطّ نهاية تصله قبل الآخرين. الحياة فيها ملايين الخطوط، كلّما سعيتَ أكثر في مسربك الخاص، وصلت إلى مكانٍ أبعد وأفضل. العالم واسِع، يتِسع لكلّ إنسان بحلمه، لن يحتكر صديقك مهنة ما، ولا وظيفة ما، ولن تضيق الأرض بِك.
إن كانت مراقبة الآخرين تُلهِمُك، فليكن ذلك، إمّا إن كانت تجعلك تحقد على واقعك، فراجع حساباتك، وأعد ترتيب أوراقك. إحرق غيرتك على أوراق، وحوّلها إلى نتائج وإنجازات، فإن تركتها في قلبك، حرقتك أنت.

إن كُنتَ من التّاليين وصاحِبَ هِمَة:
١- إنسان دائم البحث عمّا يريد
٢- إنسان يعرف ماذا يريد
٣- أنسان بدأ بالعمل على ما يريد
٤- إنسان انتهى مما يريد، وبدأ بأمر جديد

فاحتفل بما انتَ عليه، فأنت قد بدأت بالمشي قُدماً في طريقك الوعِرة. انظر فقط إلى الأمام وتذكّر أنّ لكلّ إنسان طريقه الوعِرة، وفي معظم الأحيان تكون سّرية لا يعرف عنها أحد غيره. وتذكّر أنّ قصص نجاح من بدأوا من الصّفر ووصلوا للعالميّة هي الكتب الأكثر مبيعاً في العالم، فلا تَخجَل من صِفرِك، ولكنّه سيكون أجمل كلّما ابتعدت عنه أكثر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.