المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علاء عبدالواحد الدرسي Headshot

الإسلام السياسي في ثلاثة أسئلة

تم النشر: تم التحديث:

الإسلام السياسي وأسلمة ليبيا، مفردات، تواردت كثيراً في الحقبة الثورية، إذ مثلت ثورة فبراير رحماً خصباً لتلقيح المشهد السياسي "العاقر" بعد الثورة
وقبلها، بنطفة إسلامية سياسية تمثلت فيما بعد بولادة طرف سياسي جديد على الساحة، والتي اكتنز صورتها طرفان قبل هذه الولادة "الثوار، والعسكريون". إلا أن طفل الأنبوب هذا، ما انفك أن التهم المشهد والأطراف دفعة واحدة بين استعداء واحتواء، وهو لا يزال يحبو أولى خطواته صوب المشهد الليبي.

ومن السؤال الأول نبدأ في فك طلاسم هذا الجسم

1- متى تشكلت كرة الثلج الإسلامية؟

يمكن القول بأن الفترة الزمنية الممتدة من أواخر العمر الزمني للمجلس الانتقالي، إلى بدايات المؤتمر الوطني العام (والذي شكل الذروة في تاريخ هذا الجسم السياسي) شكلت بداية التدحرج لكرة الثلج الأسلوبوليتيكية.

كذلك فإن العوامل الإقليمية، والتي تمثلت في فوز الإخوان المسلمين في كُلٍّ من مصر وتونس شكلت إقليمية جديدة، في المنطقة أتاحت وللمرة الأولى للأحزاب الإسلامية بالتمدد التاريخي والجيبولتيكي في شمال إفريقيا مذعنة لهذا الجسم في ليبيا بفرد جناحية في كلا القطرين الغربي والشرقي.

لكن الأمور لم تنتهِ عند هذا الحد، فما إن اعتلت الجماعات الإسلامية أدراج السلطة في ليبيا، حتى قامت بالإقصاء المبني على الهواجس العاطفية بإسقاط الحقوق المدنية، لكل من كانت له صلة بالنظام السابق "مستثنية بذلك نفسها"، في مشهد يذكرنا بالمكارثية الأميركية في خمسينات القرن الماضي، والتي قام من خلالها عضو الكونغرس جوزيف ماكارثي بإقصاء جُل منافسيه بحجة انتمائهم للشيوعية، قبل أن يتم فضح ادعاءاته وإلغاء القانون.

وكأن كل ذلك لم يكن كافياً، إذ قامت تلك الجماعات الإسلامية بإشعال أول الشرر لفتيل العنف في ليبيا ما بعد الثورة، من خلال تطبيق القانون بالسلاح، بوطنية منكهة بالفاشية إن صح فيها القول ذلك.

فاشية نقلت أطراف الصراع من نقطة الجدال إلى الجدار. فقبل هذا التاريخ كانت ملامح الصراع تحمل طابعاً درامياً، يتمثل في المشادات الكلامية بين أعضاء المؤتمر.

وفيما كانت الطاولة المستديرة تمثل الرمزية العالمية للحوار المتكافئ الأطراف لكنها تمثلت في حقبة المؤتمر، في شكل تدوير للحوار ذاته، حيث كانت الحوارات والمشادات تدور في شكل حلقة دائرية بين التوعد والتوعد المضاد والتي تنتهي غالباً بإعادة الوضع علي ماهو عليه، دونما الوصول إلى نقطة فيصلية محددة الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى تمديد مهام عمل المؤتمر.

وقبل إقرار هذا القانون كان المؤتمر "شكلياً على الأقل" متوازن الأطراف، بل إن صح القول فإن كتلة التحالف "اليسارية" كانت هي المهينة، وذلك قبل أن يطرح عضو المؤتمر عن مدينه بنغازي صالح جعودة مقترحاً بتشكيل ما يعرف بالكتل والتي تم عن طريقها ضم طائفة كبيرة من المستقلين فيما يمثل من باب المنطق خيانة للناخبين الذين صوتوا لـ"س" من الأشخاص، اعتماداً على الملصق الدعائي لحملته الانتخابية والتي تحمل عبارة "ناخب مستقل".

وللسؤلل الثاني ننتقل..

2- ما أهم مشروع قامت بإنشائة تلك الجماعات الإسلامية أثناء اعتلائها السلطة؟

يمكن القول هُنا إن المشروع الأكبر للإسلاميين (وأعني هُنا جماعة الإخوان المسلمين، والمقاتلة)
والذين يختلفون، عن غيرهم من الجماعات الإسلامية الأكثر تشدداً
في الدرجة لا النوع، في تأسيس دار الإفتاء الليبية والتي صاحب إنشاءها الكثير من التساؤلات عن مدى دستورية قيامها، إذ انتقدت رابطة علماء المسلمين القانون في نقاط عدة منها عدم السماح بمناقشة الفتوى الصادرة من الدار عبر وسائل الإعلام، وأنه لم يذكر أن الفتوى غير ملزمة كون الإلزام هو حكم القاضي فقط. كذلك جدلية عدم جواز إنشاء الدار قبل اعتماد دستور للبلاد وأيضاً تمتع المفتي برتبة رئيس الوزراء (انظر ويكيبيديا الموسوعة الحرة) وحسب الموقع الإلكتروني لها فهي (جهة مستقلة تتبع رئيس الجمهورية أو من حل محله).

وفي التفاصيل يكمن الشيطان" وفي التوصيف بـ"المستقلة" تكمن كُل الجدليات فما من غافل إلا ولاحظ الانحياز الواضح لدار الإفتاء الليبية في الصراع الدائر في ليبيا، ليس من خلال طلبات التهدئة التي لم تنل من حكمة المفتي نصيباً، بل بصكوك الجنة والنار التي كانت توزع بشكل عمودي، بتكفير كل من يحاول زعزعة عرش الثورة المجيدة، وتلقيح المليشيات "الجهوية" المسلحة بالقداسة الربانية إلى صمتها، عن المجازر التي ارتكبت من قبل المليشيات الثورية في كل من الكويفية ببنغازي وغرغور بطرابلس.

ولم يتقصر عند هذا الحد فمنذ عام 2011 إلى العام 2013 تجلت جُل الفتاوى بطابع سياسي..
بدأت بتصريحات المفتي العام لديار الصادق الغرياني بمحرومية انتخاب أي حزب ليبرالي أو علماني، وانتهت "ولم تنتهِ" بتكفير القوات المنطوية تحت لواء خليفة حفتر.

وقد ترجع أسباب هذا التسييس، إلى عدم وجود دستور يحد من صلاحيات القائمة لدار الإفتاء، كذلك إقصاء معظم التيارات المناوئة للإسلام السياسي في المؤتمر أعطى الضوء الأخضر لدار الإفتاء بالتمدد السياسي لصالح الطرف الأخير، أيضاً وجود مليشيات داعمة لهذا الطرح الثيوقراطي للسلطة المبني على القدسية السياسية لأصحاب العمم، شكل الزناد لتلك المؤسسة، الأمر الذي جعل من يد المؤسسة نظيفة من كل الجرائم المرتكبة لصالحها.. فهذا يتبنى الجريمة وذاك يشرعن التبني.

وإلى النقطة الأولى نعود..

فإن كانت تبعية دار الإفتاء للجمهورية وما حل محلها -كما يذكر موقعها- فإن الجمهورية، كانت في إطار المؤتمر متباينة الأطراف متمايزة الرؤى، وفي حقبة ما بعد المؤتمر وبحجية الصندوق فإن الجمهورية وتبعيتها انتقلت بعد ذلك لغير الجماعات الإسلامية السياسية، الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات عن استقلاية تلك المؤسسة، لا عن التجاذبات السياسية، بل عن الكتل والتوجهات المناوئة للتيار الإسلامي.

والآن أعتقد أن الوقت حان لطرح السؤال الأخير..

ما هي بواعث هذا الجسم السياسي؟

يمكن القول إن فكرة المؤسسة الدينية قائمة على فكر إسلامي سياسي مبني على مرعاة الصلة العولمية للقطر، من خلال ادعاء شكلي لسطلة الصندوق، والذي ما ينفك أن يزاح ما إن ينقلب الصندوق على المخطط المنشود، كما حصل في انتخابات البرلمان الليبي، وعلى فكر ريديكالي مبني علي فكرة الخصوصية القدسية المميزة لأي فصيل إسلامي بصفتهم وكلاء الله على الأرض الأمر الذي يخولهم أن يقودوا لا أن يُقادوا.

وقد يكون الحل ليس في ممارسة ذات الإقصاء، إنما في التحجيم؛ كي لا تتكرر ذات الخطوات التي خطتها أقدام المؤسسة الدينية في ليبيا، وإنتاج قنوات جديدة أكثر انفتاحاً على التنوع الفطري للفكر الإنساني. إذ مثلت السلطة الثيوقراطية وعلى مدد العصور سواء في أوروبا أم في الغرب الآسيوي، نقطة تحول في الفكر الجماعي للبشرية إذ إنها كانت دائماً النقطة التي يتم من خلالها الانطلاق صوب ثورة فكرية، مضادة لهذا النهج الذي يعتمد على رفع اللغط.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.