المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الطيب كمال عيساوي Headshot

مسار البحث العلمي في تطوير نمط الحياة الحضاري

تم النشر: تم التحديث:

أثبتت النهضة الغربية وما وصلت إليه من إبداع حضاري في شتى مجالات الحياة التقنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، أن البحث العلمي وما يشكله من مؤسسات جامعية ومعاهد ومراكز بحث هو الأساس الذي تقوم عليه الأمم المتحضرة، فلا شك أن تاريخ العقل الغربي المتحرر من قيد الكنيسة بعد عصر الظلام الأوروبي شاهد على مدى نضوج الفكر الإنساني واستيعابه لضرورة فكِّ الأسر البشري بتحريك العقل ليُبحر في تساؤلاته الفلسفية ويدرك طبيعته البحثية التساؤلية، كذلك كانت قصة الإنسان مع العقل من قديم العصور.

ومن وجهة نظر إسلامية، ومنذ أن خلق الله آدم عليه السلام، والبشرية تستعمل العقل في سبيل الرقي والتطوير في نمط الحياة وفلسفة وجودها. ويظهر ذلك جلياً في الأسلوب الربَّاني في تعليم الأنبياء لأقوامهم منهج التعامل مع العقل والبحث في حقيقة الحياة وأسرارها. وقد تعامل أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ولنا فيه الأسوة الحسنة بما يظهر الرقي الفكري في تعامل المخلوق مع الخالق بواسطة العقل، وبأسلوب البحث والسؤال، قال تعالى: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)" (سورة الأنعام).

انطلق الإنسان منذ قديم العصور يبحث طبيعة وأصل وجوده ويجيب عن تساؤلاتٍ فرضتها حاجته للاستمرار في هذه الأرض. فكان البحث أداة من أدوات استمرار الجنس البشري وتطور نمط حياته. والمدقِّق في تاريخ البشرية يمكن أن يستخلص أن العَالَمَ الإنساني ما هو إلا مركز أبحاث كبير هدفه استمرار الجنس البشري وتحقيق متطلباته بما تقتضيه حاجة الاستمرار ولعب دور الخليفة في الأرض. فالإنسان البدائي بحث سُبُل استمراره بما اقتضاه واقعه ومحيطه ليصل بالحضارة البشرية إلى مستوى معين ويُسلِّم المشعل إلى حضارة الميزوبوتاميا لتستكمل مشروع استمرار الجنس البشري، وتبحث في سُبُل التطوير بما يقتضيه واقعها ومحيطها، كذلك الشأن مع الحضارة المصرية فالحضارة الفارسية والحضارة الرومانية واليونانية ثم الإسلامية والحضارة الغربية اليوم.

تميزت الحضارة الغربية عن سابقاتها بأسلوب ومنهج وأدوات بحث متطورة بالمقارنة إلى الحضارات السابقة، وكذلك الشأن فيما يخص الهياكل والمؤسسات التي تتبنى العمل البحثي؛ حيث إن مصطلحات دقيقة كالبحث العلمي ومؤسسات متخصصة كالجامعات والوزارات والمعاهد ومراكز الأبحاث تمثلت العمل البحثي لتزيد من مساهمته في توجيه مستقبل البشرية.

بين السياسة والفكر والتاريخ والفلسفة والاقتصاد والعلوم التقنية وعلوم الكون والفضاء وغيرها من المجالات تعددت تخصصات المؤسسات البحثية، كما أنَّ التَّلاحم بين كل العلوم المذكورة وغيرها هو السرُّ في بناء الأمم وتقدمها، ولقد وصل الغرب إلى ما وصل إليه من رقيٍّ في ذاته وهيمنة على غيره بفضل مراكز أبحاثه وجامعاته ومؤسساته الأكاديمية، فمؤسسة ناسا (NASA) وجامعة أكسفور وكمبريج وهارفرد والسربون وغيرها من المؤسسات البحثية يعتبرها إنسان الحضارة الغربية مولِّد أكسجين حضاري يغذي الحضارة الغربية، إنه المنهج الصائب في فهم دور المؤسسات البحثية وعلاقتها بمشروع البناء والتطوير، إنه المنهج السليم الذي بتبنيه اعتلى الغرب منصة القيادة والريادة.